فعالم الشهادة عالم الطبيعة المحسوسة، له سننه وقوانينه التي تنظم حوادثه، والحواس، وخاصة السمع والبصر، وسائل لمعرفته مستعينة بالعقل (6) وهو في هذا يتفق مع النظرة العلمية التي تخضع الطبيعة وتستنتج قوانينها، وتربط حوادثها وتكتشف أسرارها.
وأما عالم الغيب فطريق معرفته الاجمالية العقل. ولكنه وحده لا يستطيع أن يهتدي في مجاهله ولا بد من الاستعانة بملكة الروح في بعض الأفراد الممتازين المصطفين، وذلك هو طريق الوحي والنبوة والكشف الروحي.
أن تجاوز النظرة المادية في الطبيعة والإنسان والمجتمع إلى الله الخالق القدير، المنظم المنعم، الذي هو المثل الأعلى الكامل للكون والإنسان الناقصين، يرتفع بالإنسان في نظرته وسلوكه ارتفاعا كبيرا ولا سيما في خلقه وغاياته. وأن هذه النظرة التي قدمها الإسلام إلى العالم تركت آثارا عميقة في مجرى التاريخ البشري. وليست القضية أن الإسلام نقل بعض الشعوب من شكل من أشكال العبادة إلى شكل آخر، أن القضية أعمق من ذلك بكثير، فإن نظرة الإسلام إلى الوجود غيرت مجرى تاريخ الحضارة وبدلت معالمها، سواء في آفاق الحياة الفكرية أو العملية أو الاجتماعية أو غيرها.
لم يقتصر هذا الانقلاب العميق على حياة الأمة العربية، التي كانت أول من تبلغ الإسلام وفهمه وتمثله وتجاوب معه، بل تناولت أمما كثيرة، سواء منها من أسلم ومن بقي على دينه. ولقد كان شرف العرب في أنهم نقلوا هذا المفهوم الجديد الثوري إلى العالم، فعرفوا به وعرف بهم، وامتزجوا به وامتزج بهم.
لقد كان للنظرة الإسلامية إلى الحياة والكون أثرها العميق الفعال في تاريخ الحضارة واتجاه مسيرها في جميع ميادين الحياة. لقد نقل الإسلام العالم من النظرة الخرافية والميتافيزيكية والمجزأة إلى النظرة الشاملة الجامعة الموضوعية والتجريبية المتنظمة في سنن وقوانين، وفتح آفاق التفكير العلمي فسار البحث العلمي في طريق جديدة، وانتقلت العلوم الطبيعية من المرحلة العقلية النظرية عند اليونان إلى المرحلة التجريبية منذ القرن الثاني للهجرة، وانتهت الكيمياء والفيزياء والفلك إلى مرحلة التجربة واكتشاف القوانين، وظهر أمثال الجاحظ وابن الهيثم والبيروني والرازي وأولاد موسى بن شاكر.
ولم يقتصر الأمر على الطبيعة الجامدة، بل تناول الإنسان والحياة الاجتماعية، فقد انبثقت عن النظرة الإسلامية نظرة علمية إلى المجتمع انتجت لأول مرة في تاريخ الفكر البشري تفكيرا علميا، كتفكير ابن خلدون في مقدمته والشاطبي، اللذين سبقهما
(6) تكرر في القرآن الكريم ذكر السمع والبصر والعقل والفكر وما يشتق من هذه الألفاظ أو يدل عليها مرات كثيرة جدا. ويقترن ذكرها دوما بالحكم على الأشياء والعلم بالحقائق. ويشير القرآن إلى استعمال السمع والبصر خاصة في معرض النظر في الكون وأجزائه وذلك كقوله تعالى: «أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا تبصرون» -السجدة-. وقوله: «الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا ... فانظر إلى أثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها» -الروم-. وقوله: «قل انظروا ماذا في السموات والارض» -يونس- وقوله: «أولم ينظروا في ملكون السموات والأرض وما خلق الله من شيء» -الأعراف- وقوله: «أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها» -الحج-.
وجعل من مزايا الإنسان التي من الله بها عليه السمع والبصر والعقل وذلك في قوله: «وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون» وحمل الإنسان مسؤولية هذه الحواس والملكات فقال: «ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا» -الإسراء- وكثيرا ما ذيل الآيات المتضمنة موضوعات للتأمل والتفكير بقوله: «ان في ذلك لآية لقوم يتفكرون» أو «لقوم يعقلون» أو صدر بها الآيات كقوله: «ويتفكرون في خلق السموات والأرض» -آل عمران 191 - وقوله: «أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق» -الروم- وقد تكرر استعمال العقل والتفكر وما يشتق منها أكثر من سبعين مرة.