مؤلفون في حياة الأقوام والمجتمعات كالبيروني في الآثار الباقية والمسعودي، هذا إلى جانب الأفق الجديد الذي شق المسلمون إليه الطريق في معرفة النفس الإنسانية ونزعاتها وخواطرها ورغباتها وما تعانيه من صراع وتبدل وتطور، مما نراه من آثار الصوفيين التي يعد الكثير منها بحق من أروع ما سطر في العالم في تصوير عالم النفس والروح.
إن نظرة الإسلام إلى الطبيعة نظرة عملية، وإزالة الحواجز الخرافية الابتدائية بينها وبين الإنسان أطلقت يده فيها يستثمرها ويسخرها، ودفعت الأمم التي دانت بالإسلام إلى حياة عملية كثيفة خصبة، التي دانت بالإسلام إلى حياة عملية كثيفة خصبة، فكانت الحركة الاقتصادية في العصور الأولى للإسلام حركة واسعة النطاق، سواء في الصناعة أو الزراعة أو التجارة أو العمران، ويكفي أن نعرف ما كانت عليه عواصم الإسلام الكبرى كبغداد، العاصمة العالمية العظيمة، ودمشق وقرطبة وغرناطة، وأن نتصور التجارة التي بلغت أقصى الشرق والغرب، وما يلغته الزراعة في الارتقاء والاتساع والصناعة من الازدهار.
أما في الميدان الاجتماعي فقد كانت النتائج رائعة حقا. فلأول مرة تكتسح العالم الفكرة الإنسانية التي تجعل الإنسان أخ الإنسان، وتعتبر الأفراد والشعوب أجزاء من إنسانية واحدة ينبغي أن يتعاونوا سائرين نحو أهداف الحق والخير والعدل.
وتلاقت في الحضارة الإسلامية شعوب تعاونت في سبيل الخير في ميادين العلم والثقافة والاقتصاد والتجارة وسائر ميادين الحياة. وقد أنتجت نظرة الإسلام إلى البشر فكرة المساواة الحقيقية بل الشعور بالمساواة، كما ولدت أيضا فكرة العدالة بين البشر والشعور بمسؤولية إقامتها في العالم دون اعتبار الفوارق الجنسية أو الدينية أو غيرها، ولذلك لم تكن نظرة الشعوب إلى العرب المسلمين الذين دخلوا بلادهم نظرة الفاتحين المستعمرين، بل نظرة من يحملون إليهم الخير ويقيمون موازين الحق والعدل ويشعرون بالأخوة الإنسانية والمساواة بين عباد الله، وهذا هو السبب في أن البلاد التي دخلوها بقيت فيها آثارهم خالدة شاهدة عليهم.
وحررت الفكرة الإسلامية الشعوب من الخضوع المطلق للملوك والرؤساء إذا جعلت نظرتهم إليهم نظرة إلى أفراد من البش مثلهم، عباد لله لا يمتازون عنهم بشيء إلى ما حملوا من أمانة يجب عليهم حسن أدائها.
وأعظم من ذلك كله ما بعثته النظرة الإسلامية في النفس البشرية من يقظة الضمير الإنساني وانتعاشه وحيويته، ذلك الضمير الذي يتأمل للشر، ويحنق على الظلم، ويتلهف لإقامة الحق وإشاعة الخير، ويشعر بالمسؤولية أمام الله عن التقصير في أداء الأمانة في هذه الحياة والاضطلاع بما أوجب الله عليه من العمل والجهاد.
ان عالمنا الذي نعيش فيه، والعصور والأجيال التي تأتي من بعدنا كذلك، في حاجة إلى تبني هذه النظرة التي حرر بها الإسلام الإنسان من الخرافة والشهوة والعصبية الخاصة وربطه بالكون والوجود والبشرية عن طريق ارتباطه بالله العليم الخبير وبالحياة الآخرة الباقية. إن هذه النظرة تجمع في نسق واحد روحانية الدين، وعقلية العلم، وفعالية العمل وخلقية الغايات.