يخلق كمن لا يخلق، أفلا تذكرون» ليوصلنا إلى الجواب ذلك أن للكون خالقا. وعلى هذا النسق يسوق القرآن كل ما يسوق من مشاهد الكون مقرونا بالمنشئ الخالق والفاطر المبدع (5).
ان ارتفاع فكرة الله الخالق الذي لا يشابه في وجوده وصفاته الكون المخلوق قد هبط حالا بكل فكرة أخرى تقوم على تأليه الطبيعة أو جزء منها أو فرد من أفراد البشر، فتتساوى المخلوقات ويترفع الإنسان بمقدار ما أوتي من عقل مفكر وإرادة فاعلة وروح مستمدة من الله. ومن خلال النظر إلى آفاق الكون ومسارح الطبيعة ينظر الإنسان إلى خالقه، ويصبح نظره إلى الطبيعة وتأمله فيها وتفكيره المتواصل في عجائب سننها انما هو في الوقت نفسه اكبار لعظمة الله وإعجاب بقوته وصنعته وتسبيح بحمده، وبذلك تنتهي النظرة الفكرية الموضوعية دون أن تخل خصائصها إلى نظرة إلهية رائعة، وكذلك فإن الإنسان، في استثماره للطبيعة وتسخيره لما فيها وتمتعه بما فيها من ثمار طيبات وما فيها من جمال ومتعة وزينة، يدفعه الإسلام دفعا إلى الأمام، ويطلب إليه أن لا يقف عند هذا الحد، وأن لا يجعل من هذا الاستثمار والتمتع الطبيعي غاية له في الحياة ولا هدفا نهائيا للسعي والعمل، وبذلك يشارك الإسلام الماديين في التمتع بما في الحياة من متع مشروعة طبيعية، ولكنه يسير اذ يقفون، ويجعل فوق حياة التمتع حياة أسمى، هي حياة الروح ونشاطها وفعاليتها، ويجعل من بعد ذلك لهذه الحياة امتدادا مستمرا دافقا لا ينتهي، وبعد مظاهر الفناء بقاء، ان الجزء الترابي منه يتحطم كما يتحطم النبات، ولكن الجزء الروحي باق مستمر يتصل بحياة أخرى وعالم آخر، ويصير إلى الله الخالق. ان وراء ابتلاء الحياة حسابا، وأن ما أوتي الانسان من عقل وإرادة يجعله مسؤولا، وأن الحياة التي نعيشها في هذا الكون هي الحياة القريبة الدنيا ولكن وراءها حياة بعيدة أخرى تتجلى فيها المسؤولية الإنسانية في أجلى صورها وأدق آثارها.
ولذلك كانت نظرة الإسلام إلى متع العيش ونعم الحياة على أنها نعم من الله وضعت في يد الإنسان وسلط عليها، فتمتزج نظرة الإنسان خلال تمتعه بطيبات العيش بشعور عميق هو الشعور بنعمة الإله المنعم وشكره، ووعي لذاته ولما يحيط به، وادراك لحياته الفانية القريبة والباقية البعيدة. وتنتهي المتعة المادية في الحياة بنظرة أخلاقية تنبثق عن شعور عميق بالمسؤولية: مسؤولية الأمانة الالهية في هذه الحياة، ومسؤولية استخلاف الإنسان في هذه الأرض.
ويلاحظ القارئ المتأمل للآيات التي يعرض فيها القرآن الكون المسخر للإنسان والفائض بالنعم والطيبات انها تقترن دوما بما يشعر بالشكر وما يدل على الإقرار بالفضل وتحميل المسؤولية وترقب نتائجها البعيدة.
أن الكون في نظر الإسلام كما بدا من الله ينتهي إليه. ان الإسلام يوسع أفق النظر ويزيد بذلك على النظرة المادية بعد أن يشاركها بتحديد آفاق الكون والحياة من حيث البداية والنهاية، وهكذا تبدو لنا علاقة الإنسان بالطبيعة في النظرة الإسلامية واضحة متميزة عن نظرة الماديين والروحيين في آن واحد.
فالروحيون يتناسون الكون والطبيعة والواقع، واقع الإنسان وواقع الطبيعة كليهما، والماديون يحدون نظرتهم بالكون المادي ويقفون، وتصبح علاقة الإنسان بالكون والطبيعة علاقة مادية جافة غير أخلاقية، فالطبيعة غاية التفكير من الوجهة العقلية، وغاية التمتع من الوجهة العملية.
وأما في نظرة الإسلام فأمام الإنسان طبيعة تنهى إلى الله الخالق المبدع المنعم، سواء في نظرته العقلية وتفكيره أم في شعوره في حياته العملية، فتتصف نظرته باللانهائية والخلود والأخلاقية، وأن من أعظم مزايا النظرة الإسلامية الفصل شبه التام بين ما يسميه عالم الشهادة وعالم الغيب. فلكل منهما آفاقه ووسائل ادراك حوادثه ومعرفة حقائقه، ولذلك فإن نظرة الإسلام الغيبية تتضمن الإيمان بالله الخالق وبالحياة الأخرى وبذلك العالم الآخر الذي تخفى على حواسنا حوادثه وسنته بل صلاته بالعالم المحسوس.
(5) في القرآن الكريم آيات كثيرة تصور مشاهد الكون لتنتهي منها إلى الخالق المبدع. راجع بوجه خاص في سورة يس من قوله تعالى: «وآية لهم الأرض الميتة أحييناها ... » إلى قوله: «في فلك يسبحون» وقوله تعالى: «ان الله فالق الحب والنوى ... » إلى قوله «لقوم يؤمنون» من سورة الأنعام.