تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين» -المؤمنون-

وفيما يتمتع به من حواس السمع والبصر والتفكير: «وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون» -المؤمنون-

وقد وصف القرآن الإنسان كما هو في واقعه بغرائزه ونزعاته وما يحب من شهوات وما يتمتع به من عقل وإرادة يجعلانه أهلا للتكليف والاختبار وتحمل الأمانة التي لم تتحملها السموات والأرض.

هذا هو الفرد الإنساني، وأما المجتمع، فطالما ذكر القرآن أقواما وشعوبا تقلبوا بين الحياة والهلاك، والنعيم والبؤس، وقد أعطى بذلك صورة عن المجتمع الإنساني غير مقصورة على عصر أو أمة، وكان مواكب الإنسانية تمر أمامنا وهي متشابهة تشابه الطبيعة تسري عليها سنن مطردة وقوانين ثابتة لا تتبدل

، فالظلم يؤدي بالمجتمع إلى الدمار، والترف ينتهي إلى الهلاك: «فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فيه خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد، أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدرو» -الحج-.

إن البشر متساوون في أصل خلقتهم من حيث قيمتهم الإنسانية فكلهم عباد الله، ولكنهم متفاوتون في قدرتهم ومواهبهم، فلا بد من تعاونهم: «ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات لتخذ بعضهم بعضا سخريا» ولكن هذا التفاوت قد يؤدي إلى ظلم الضعفاء، لذلك وجب إقامة العدل بينهم ولو أدى ذلك إلى استعمال القوة في سبيل حماية المستضعفين.

إن نظرة الإسلام إلى الإنسان جديدة كل الجدة. وقد ارتفع بنا القرآن إلى مستوى عال جدا يسمو فوق القبليات والقوميات، وفوق العصور والأجيال، ليطل على الإنسانية الغابرة والآتية، وليدلنا على الإنسان من حيث هو إنسان، كما أنه كشف لنا من جهة أخرى عن النفس الإنسانية، بما فيها من حب للشهوة والزينة، واللهو واللعب، وما يجيش فيها من رغبات، وحاول أن يرتفع بها من واقعها الذي لا يمكن إنكاره والتعامي عنه إلى المثل الأعلى والجهاد في سبيل الحق والعدل ومرضاة الله.

إلى هنا ينتهي طوافنا مع الإسلام في استعراض الكون والطبيعة والإنسان استعراضا سريعا موجزا. ونقف هنا قليلا لنقول أن هذا العالم الذي وصفناه هو ما يسميه القرآن عالم الشهادة.

والإسلام في نظرته إلى هذا العالم شارك المادتين في نظرتهم إلى الكون وحوادثه وسننه وقوانينه، وشاركهم كذلك في أن السمع والبصر والتفكير والعقل هي أدوات الوصول إلى معرفة حقائقه، وبذلك طالما كرر القرآن الأمر بالنظر والتفكر والتدبر، ونسب إلى المتأملين الألباب والعقل. ولكن الإسلام اذ يمر بنا في آفاق الكون والطبيعة وآفاق النفس الإنسانية لا يقف بنا في المسير حيث تقف النظرة المادية، بل يستمر حتى يتنقل من الكون إلى موجده، ومن الإنسان إلى خالقه، ومن الحياة الإنسانية إلى ما وراءها.

إن القرآن بعد أن ينظر إلى الطبيعة تلك النظرة الموضوعية المتحررة من الأساطير، وتلك النظرة الرابطة للحوادث الناظمة لها في سنن عامة، يلفت نظرنا إلى الخلق الأول والنشأة الأولى، ويضعنا أمام اعتقاد لا محيص لنا عنه، وهو أن الكون العظيم الدقيق المنظم المطرد لم يوجد مصادفة ولا عبثا، ولكنه منبثق عن قوة خالق حكيم عليم خبير. إن الكون موجود متبدل منظم، فمن أوجده لأول مرة، ومن الذي فطره على سننه الثابتة؟

«ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون. افرأيتم ما تحرثون. أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون، لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون. إنا لمغرمون بل نحن محرومون. أفرأيتم الماء الذي تشربون. أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون. لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون. أفرأيتم النار التي تورون. أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون. نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين» -الواقعة-

وفي نهاية الاستعراض الشامل الذي عرضته علينا آيات سورة النحل التي سردناها في بدء كلامنا «خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون. خلق الإنسان من نطفة ... الخ» يفاجئنا هذا السؤال: «أفمن

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٨٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٨٦١