ثمره، ولم يذكر القرآن ناحية من نواحي الطبيعة إلا ذكر معها فائدة الإنسان منها، ويجمع ذلك كله ما ورد في سورة لقمان «ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة».
لقد أزال القرآن ما بين الإنسان والطبيعة من حواجز وسلطه عليها ودفعه إلى استثمارها فكان بذلك مجافيا لنظرة التزمت المخالفة للفطرة الطبيعية ولذلك اطلق القرآن على منع الطبيعة والنعم المبثوثة فيها ألفاظا محببة فسماها تارة (الطيبات) وأخرى (زينة الله) واستنكر موقف المبتعدين عن استثمارها والاستفادة منها: «قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق» واعتبر ما في الكون نعما من الله بها على الإنسان.
ومن صفات الطبيعة في نظر الإسلام كما يعرضها علينا القرآن الكريم انها جميلة وقد أشار الله في الكتاب العزيز إلى وصف الجمال في مواطن كثيرة منها ما مر في الآيات التي استشهدنا بها من سورة النحل وغيرها:
ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون -لتركبوها وزينة- وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه- وتستخرجوا منه حلية تلبسونها- حدائق ذات بهجة - في كل زوج بهيج.
فالكون أو الطبيعة اذن في نظر الإسلام مسرح واسع للتفكير وهدف للتسخير والاستثمار وموطن للجمال ومتعة.
الإنسان
وقد خص الإسلام واحدا من هذه المخلوقات الموزعة في الكون بالتكريم والاعظام وهو الإنسان. وقد ذكره القرآن حينا على أنه واحد من تلك المخلوقات وجنس من أجناسها، فذكره مع ما يدب على الأرض من الاحياء ووضعه من هذه الناحية في موضعه من الإطار العام للكون.
«والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء» -النور-.
ولكنه خصه بعد ذلك بالذكر والتكريم وقص علينا قصة خلقته الأولى بمراحلها:
«وبدأنا خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون» -السجدة-
إنه لمخلوق عجيب انه من أصل ترابي ثم أصبح يتناسل كسائر أنواع الحيوان، ثم كان خلقا سويا. وفي آخر هذه المراحل ونهايتها، وحين نضج وكمل، جعلت فيه نفحة من روح الله، وبلغ الأمر بتكريمه أن تسجد الملائكة له:
«اذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين» -ص-
إن الإنسان في هذا الكون يمتاز من سائر المخلوقات بأنه يستثمرها ويسخرها لمصلحته، ويتصرف ويتقلب في آفاق هذا الكون الفسيحة، ولذلك كانت له من بين جميع المخلوقات منزلة ليست لغيره منها:
«ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقانهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا» -الإسراء-.
إن هذه النظرة الشاملة إلى الإنسان جديدة كل الجدة. فقد عرف الإنسان المنتسب إلى القبيلة أو القوم، وقسم الرومان الشر ناسا وبرابرة، وخاطبت التوراة بني إسرائيل، أما القرآن فقد فاجأ النسا بفكرة عامة عن الإنسان، كما فاجأهم بصورة جامعة كاملة عن الطبيعة. ان الإنسان هو الإنسان، سواء أكان قديما أم حديثا، منتسبا إلى هذا القوم أو ذاك، وسواء أكان ذكرا أم أنثى. انهم جميعا من أصل واحد ومن طبيعة واحدة:
«يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء» -النساء-
«يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا» -الحجرات-
ولقد تكرر لفظ الإنسان والناس في القرآن أكثر من مائتي مرة، كما تعرض لوصف الإنسان وصفا عاما في مراحل خلقته: «ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة