تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجاء في سورة الأنعام: «وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم».

وقد جمع الحيوان والنبات في موضع آخر جاعلا التلاقح والتزاوج وصفا مشتركا جامعا: «سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون» -يس-، وخص النبات وحده في قوله: «وانبتت من كل زوج بهيج» وقوله: «أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم» -الشعراء-، ثم عمم في قوله: «ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون» -الذاريات: 49 -

لقد أصبحت هذه الطبيعة بأنواعها وأجناسها ومقاديرها وكمياتها وانتظام حوادثها وأطراد سننها مكشوفة لنظر الإنسان يسرح فيها فكره ويعمل فيها عقله لاكتشاف سننها وصلات أجزائها وحوادثها بعد أن أزيل ما بينه وبينها من أوهام وخرافات وأساطير وقد جاء عمل الرسول صلى الله عليه وسلم وأقواله بيانا وإيضاحا لهذه النظرة القرآنية فقد ورد في الحديث أن الشمس كسفت في اليوم الذي مات فيه ابنه ابراهيم فقال الناس إنها كسفت لموته، فخرج الرسول الكريم مغضبا يجر ازاره وصعد المنبر وقال: «إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله تعالى يريهما عباده» (2) كما أنه ندد بالتمائم التي تعلق للأولاد ونهى عنها وعن الرقي والتطير وقال: الطيرة شرك (3). ونفى وجود الهامة والغول، ونهى عن العيافة (زجر الطير) وعن الطرق وهو الضرب بالحصى أو الخط بالرمل، ونهى عن إتيان العرافين والكهان المتنبئين، وأمر باتخاذ الأسباب الظاهرة المعروفة في كل أمر من أمور الدنيا.

وقد كان قبل الإسلام من يعتقد أن الملائكة أرباب أو بنات الله، وأن الشيطان له على البشر سلطان، وأن الجن يتصرفون في الكون لأنهم شركاء لله، فأبعد القرآن هذا التصورات والأفكار، فنهى عن اتخاذ الملائكة أربابا ووصفهم بأنهم عباد مكرمون، كما نهى عن اعتبار الجن شركاء لله يتصرفون كما يشاءون بهذا الكون:

«وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا بنين وبنات» ونفى سلطان الشيطان على الإنسان: «إن عبادي ليس لك عليهم سلطان» فليس هو إلا مخلوقا متمردا مطرودا من رحمة الله.

وإذا استعرضنا كل ما ورد في القرآن الكريم في وصف الكون ومشاهده وحوادثه لا نجد أثرا لتدخل خارج عن الطبيعة ولا لأسباب غير تلك التي أودعها الله فيها: فالرياح تسوق السحب، والسحب تتراكم فيتقاطر الماء من تراكمها، ويهبط الماء إلى الأرض فيسقي الزرع أو يسلك في باطن الأرض ثم يخرج ينابيع تسقي النبات، والنبات ينمو ثم يكبر ويهيج ثم يذبل ويكون حطاما، ذلك ما عرضه القرآن في مواطن عديدة من سوره، فهل في هذا العرض تدخل لغير قوة الله الخالقة المقدرة لهذه القوانين والسنن المطردة؟ وحديث تأبير النخل مؤيد لهذا الاتجاه بوضوح (4).

والطبيعة بعد هذا كله مفتوحة للإنسان معروضة لاستثماره، يمكنه أن يسخرها ويخضعها، ولم تعد الطبيعة أو بعض أجزائها الها، فلا الشمس ولا القمر ولا غيرهما تستحق العبادة «لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن»، بل على العكس من ذلك، ان كل ما في الطبيعة مهيأ لا مكان استفادة الإنسان منه واستثماره، فالشمس والقمر والنجوم مسخرات للإنسان يستنير بضيائها ونورها ويهتدي بها، والبحر مسخر للإنسان يأكل من حيتانه ويستخرج لؤلؤه ويمخر بسفنه عبابه، والأنعام فيها للإنسان دفء ومنافع، والشجر كلوا من ثمره إذا أثمر وينعه، والماء الذي يهطل منه شرابه وبه ينبت الزرع الذي يأكل من

(2) أخرجه الستة راجعه بهذا النص في تيسير الوصل ج 2 ص 310.

(3) أخرجه أبو داود والترمذي. راجع كتاب الطيرة والفأل في تيسير الوصول ج 3ص 167 و ج 2 ص 168.

(4) ورد هذا الحديث في مسند أحمد، وأخرجه مسلم، وله روايات تختلف في ألفاظها والمعنى واحد، عن طلحة ابن عبد الله قال: مررت مع النبي صلى الله عليه وسلم في نخل المدينة فرأى أقواما في رؤوس النخل يلقحون النخل فقال: «ما يصنع هؤلاء» فقالوا: يأخذون من الذكر فيضعون في الأنثى يلقحون به، فقال: «ما أظن ذلك يغني شيئا» فبلغهم فتركوه، فلم يحمل تلك السنة شيئا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إنما هو ظن ظننته، ان كان يغني شيئا فاصنعوا، فإنما أنا بشر مثلكم، والظن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت لكم قال الله عز وجل، فلن أكذب على الله». (مسند أحمد ج 1 ص 162 و ج 3 ص 152، شرح النووي على مسلم ج 15 ص 116 - 118).

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٨٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٨٥٩