ثم ينتقل بنا إلى أجزاء الأرض التي نعيش عليها:
«وهو الذي سخر البحر لتأكرو منه لحما طريا وتستخرجوا منها حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون. وعلامات وبالنجم هم يهتدون».
إن الطبيعة كما تبدو في هذه الآيات كل يشتمل على أجزاء، وهي بعد هذا موضوع يستحق التفكير وأثر يسترعي التأمل والنظر في اتصال أجزائه وتتابع أقسامه واطراد حوادثه. لقد أزال القرآن ما بين الإنسان والطبيعة من عوائق كان الاعتقاد بها يحول بينه وبين صحة النظر وصدق التفكير فبدت الطبيعة عربانة متجردة. إنها طبيعة يستطيع العقل إدراكها، فهي معقولة، لها من ذاتها عللها ومن نوعها أسبابها: فالماء الهاطل ينبت به الزرع، ورواسي الجبال تمنع ميدان الأرض واضطرابها.
إنها طبيعة مطردة الأسباب، منتظمة الحوادث، لا تتلاعب بها أهواء آلهة عديدة مزورة، بل هي منبثقة عن تصميم إله حكيم، وتنظيم خالق مدبر. إن فكرة القانون أو السنن الكونية واضحة في هذه الآيات، كما هي بادية في آيات أخرى، كقوله تعالى:
«ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب» -الزمر 21 - لاحظ ما في الآية من حروف العطف الدالة على التعاقب بين الحوادث، وكذلك في قوله تعالى: «ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله» -النور-. وقوله أيضا: «ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة» -الحج-.
وتأمل هذا المشهد الفلكي الذي يعرضه القرآن في انتظام حركاته وانسجام أجزائه وتتابع حوادثه ودقة تدبيره وأحكامه.
«وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون. والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشمس لها ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون».
بل إن القرآن اذ يعرض الطبيعة في هذا الانسجام والانتظام والأحكام يشير إلى فكرة (الكمية) ويلفت النظر إلى ما في الطبيعة من مقادير محسوبة ونسب رياضية:
«والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين وأن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين» - الحجر 19 - 20 -
وكذلك قوله في سورة الإسراء:
«وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا» (1).
وقد أشار القرآن إلى أصغر الكميات والمقادير وكرر استعمال تعبير «مثقال ذرة» فقال:
«لا يعرب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين» -سبأ 3 - ومثلها في سورة يونس: 61.
وجمع القرآن هذه الظاهرة الرياضية في الطبيعة على وجه التعميم بقوله: «وكل شيء عنده بمقدار» -الرعد 8 - .
ويعرض علينا القرآن الطبيعة مصنفة في أنواع مختلفة تشترك في صفات تجمعها وتفترق في أخرى تميزها فهذه أنواع الاحياء، ومنها الإنسان، معروضة مصنفة:
«والله خلق كل دابة من ماء، فمنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع، يخلق الله ما يشاء، ان الله على كل شيء قدير» -النور 45 - .
(1) نضيف إلى هذه الشواهد آيات أخرى تضمنت فكرة الكمية كقوله تعالى: «وخلق كل شيء فقدره تقديرا» (الفرقان)، وقوله: «وأنزلنا من السماء ماء بقدر فاسكناه في الأرض» (المؤمنون) وقوله «وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا» (الأنعام).