تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان في أدبهم نظرات أسطورية واعتقادات خرافية، تختلط فيها الآلهة المتعددة الكثيرة مع مظاهر الطبيعة، وتلتبس تصرفات تلك الآلهة مع حوادث الكون.

أما الكتب الدينية السابقة كالتوراة فإنها لم تعط عن الكون فكرة واضحة مفصلة، بل إنها لم تعط عن الالهة الخالق الواحد إلا الفكرة التي يستطيع العقل الغض أن يستوعبها فجاءت الأديان السابقة خالية من فكرة محيطة ونظرة شاملة واضحة عن الإنسان والخالق والكون والحياة.

ولو استعرضنا نصوص القرآن الكريم مستجلين فكرته مستشهدين بآياته لنبدت لنا فيه نظرة واضحة إلى الوجود.

إن الإسلام منذ أول ظهوره ومن بدء دعوته جاء بنظرة عن الكون والحياة شاملة، ممتدة الأفق، واضحة الخطوط والمعالم، مفصلة الأجزاء مرتبطة الأقسام، مطردة الحوادث، متحررة من خرافة العصور السالفة وخيالية المذاهب العقلية والفلسفية، تحتل العقل من ناحية والقلب من ناحية أخرى، فتحيط بالفكر والعاطفة، وتولد من تظاهرهما عملا وسلوكا.

لقد كانت نقطة البدء في عرض القرآن لنظرة الإسلام وفكرته من الإنسان نفسه، وما يحيط به من واقع الكون وأجزاء الطبيعة وأجناس المخلوقات، وما يلابس حياته ويلامس حواسه من حوادث الطبيعة.

وبعد أن يستعرض القرآن مشاهد الطبيعة مشهدا مشهدا، ويطوف بنا في أجزاء الأرض وأجناس مخلوقاتها، ويحلق بنا في أجواء النجوم والكواكب وهي تجري في أفلاكها، ويقف بنا أمام المخلوق الكريم -الإنسان- ويستعرض مراحل حياته مرحلة مرحلة، بعد هذه الرحلة الطويلة ينتقل بنا إلى التفكير في قصة خلقها وبداية نشأتها ومسبب وجودها. ولنقف الآن في المرحلة الأولى لنتعرف إلى نظرة الإسلام إلى الكون والطبيعة والإنسان وكيف يعرضها، وما هي صفاتها وخصائصها، وأي أثر كان لها في آفاق الحضارة، متخذين القرآن أساسا لهذه الدراسة معبرا عن هذه النظرة.

الطبيعة في القرآن

لقد فاجأ القرآن العرب والعالم أجمع بصورة مفصلة عن الطبيعة، تضع الإنسان وجها لوجه أمام مشاهدها كما تبدو للجيل وفي الواقع، مستعرضا أجزاءها الكبيرة والصغيرة، وأنواعها وأجناسها، وحركتها وسكونها، ومراحل نمو مخلوقاتها الحية من إنسان وحيوان ونبات. وهو إذ يعرض هذه الطبيعة بعرضها مجردة من الأساطير، متحررة من الخرافات، لا تحرك أشجارها الأرواح، ولا تهيج رياحها الشياطين، لها من تتابع حوادثها واتصال أجزائها ما يقلل النتائج، ومن اطراد حوادثها ما ينأى بها عن التبدل الكيفي ويجعل لها سنتا مطردة وقوانين مستقرة.

وإليك نموذجا رائعا لما يعرضه القرآن للطبيعة من صور تجد فيه ما ذكرت من صفات الطبيعة كما عرضها. وسنعقب عليه يذكر صفات وخصائص أخرى نستنتجها بعد أن نقرأ هذا النص القرآني ونمعن التأمل فيه. قال تعالى (في سورة النحل):

«خلق السموات والأرض بالحق، تعالى عما يشركون». فالسموات والأرض هي تلك الصورة المجملة والإطار الجامع. ثم يأتي تفصيل الأجزاء مبتدئا بالإنسان:

«خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين. والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون. ولكن فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون. وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلى بشق الأنفس، ان ربكم لرؤوف رحيم. والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، ويخلق ما لا تعلمون».

وبعد هذا الاستعراض لأنواع من الاحياء، منها الإنسان ومنها أنواع عددها وأنواع لم يعددها ولم يحددها «ويخلق ما لا تعلمون» ينتقل بنا إلى عالم النبات والانواء والأفلاك والكواكب والحوادث المتصلة بها من ليل ونهار:

«هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون. ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون. وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون».

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٨٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٨٥٧