تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3 ع 3 /دجنبر 1959 .................. ص 12

دراسات إسلامية: نظرة الإسلام العامة إلى الوجود وأثرها في الحضارة

محمد المبارك

أستاذ كلية الشريعة بجامعة سوريا

للأفكار التي يعتقدها الإنسان أثرا قويا في أن سلوكه في الحياة وتصرفاته، فإذا كانت هذه العقائد والأفكار سائدة في مجتمع من المجتمعات كان لها آثارها ونتائجها في معالم حضارته واتجاهاته في جميع آفاق الحياة. ذلك أن الإنسان يرى الحياة والكون والمجتمع والطبيعة، بل يرى نفسه أيضا، خلال هذه الأفكار والعقائد، ويعاملها ويتصرف في صلته معها وفقا لرأيه فيها ولما كون عنها في ذهنه من صور، وعلى هذا الأساس يبني سلوكه ومنهجه في الحياة.

ولقد كان للعقائد الأسطورية الابتدائية أثرها في سلوك معتقديها وعاداتهم وتفكيرهم وأعمالهم، فهم يمتنعون عن قتل حيوان يؤلهونه، أو عن قطع أشجار غابة حجزتها الآلهة لنفسها، أو عن صيد حيتان نهر أو بحيرة سيطرت عليها أرواح تؤذي الإنسان الذي يمسها.

وكان للعقائد والفلسفات التي راجت في العصور الحديثة أثرها، كذلك الذي ظهر في أنظمة للحكم، وقوانين وعادات ومؤسسات، وخطط سياسية وطرق للتربية والتعليم. ألم يكن للفلسفة النازية أثرها في توجيه الحياة ومعالم الحضارة في البلاد التي دانت بها؟ أو ليس للاشتراكية المادية أو الماركسية أثرها الواضح في سياسة البلاد التي تدين بها، الخارجية والداخلية، وفي نظامها الفكري وحياتها العملية؟

إن تأثير العقائد والأفكار في الحياة حقيقة لا ينكرها حتى الماديون الذين يعتقدون بأولية المادة في أصل الوجود وأن الأفكار ليست إلا صدى للأوضاع الاقتصادية ولنظام الإنتاج والتوزيع، ذلك أنهم يبدؤون أول ما يبدؤون بالدعاية الفكرية لمذهبهم وأحداث الوعي على أساسه انتظارا لنتائج هذا الوعي القائم على عقيدة معينة. أضف إلى هذا أنهم يعتقدون أن الفكرة، وإن كان منشؤوها -كما يزعمون- ماديا، تصبح بعد أن تخرج إلى حيز الوجود عاملا من عوامل التأثير، ويصبح بين الفكرة والوضع المادي تأثير متقابل. ولست أريد أن أدخل في الجدل القائم بين الماديين والفكريين المثاليين في أولية المادة أو الفكرة وفي أسبقية تأثير هذه أو تلك، ولكن الذي أريد أن أقوله هو أن للعقائد، ولا سيما الشاملة للحياة والوجود، أثرها العميق على كل حال في حياة الأفراد والمجتمعات، ذلك الأثر الذي قد يكون حسنا أو سيئا، واسعا أو ضيقا، جزئيا أو شاملا، بحسب ما تكون العقائد والأفكار في ذاتها صحيحة أو باطلة، نافعة أو ضارة، محدودة أو شاملة.

وإذا كان ظهور الإسلام حادثة عظيمة في تاريخ العالم والحضارة وفي حياة كثير من الأمم، وفي ماضي الأمة العربية وحاضرها بوجه أخص، فإنه من الضروري أن نكشف عن الفكرة التي جاء بها عن الإنسان والكون، وعن الحياة ومصيرها، وعن آثار هذه الفكرة في مجرى الحضارة وتاريخ العالم، وذلك حبا في معرفة الحقيقة المجردة أولا، ورغبة في تحديد موقفنا من فكرة الإسلام الأساسية ونظرته إلى الوجود ثانيا.

لقد كانت نظرة العرب إلى الكون مبعثرة مجزأة، لا تنظمها فكرة جامعة، ويشوبها قليل من الأساطير والخرافات. وكانت نظرة اليونان عقلية تتجه اتجاها ميتافيزيكيا غيبيا بعيدا عن روح الواقع والتجربة، تحلق فوق الحقيقة المحسوسة دون أن تمسها وتحيط بها دون أن تهبط من سماء التجريد إلى واقع الحياة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٨٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٨٥٦