دعوة الحق، س.3، ع 2 /أكتوبر 1959 ............... ص 71
من الأدب الجزائري: على المقهى
مجموعة قصص للأديب الجزائري
محمد ديب
بقلم: محمد برادة
إن مما يقيم البرهان قويا واضحا على أن ثورة الجزائر ثورة عميقة الجذور، بعيدة الأغوار، هو ما نشاهده، أن إنتاج أدبي يكتبه شباب جزائري لم تستطع الوضعية الشاذة التي فرضتها فرنسا على بلاده أن تمنعه من وعي قوميته وإدراك مشاكل وطنه، فحطم القيود وتخطى كل العقبات بما فيها عقبة اللغة وعبر عن مطامح بلاده الجزائر في قوة وإخلاص. والحقيقة أن الأدب الجزائري الحديث المكتوب باللغة الفرنسية ظاهرة جديرة بالدرس، تفسح المجال لكثير من المناقشات الخصبة، وتكمل إطار الأدب العربي المعاصر.
ورغم أنني لست الآن بصدد دراسة هذا الأدب، فإني أريد أن أشير إلى خاصية مميزة له وهي خاصة الالتزام؛ فكل الأدباء الجزائريين الشباب من أمثال محمد ديب ومولود معمري مولود فرعون وكاتب ياسين وغيرهم .. كلهم يلتزمون بواقع بلادهم ويصدرون عن مأساتها فيما يكتبون. وهم في التزامهم أحرار لم تفرضه عليهم سلطة قاهرة وإنما نبع من ضمائرهم الحية فجاء أدبهم صادقا قويا يذكرنا بإنتاج الكتاب الروسيين قبل الثورة البلشفية، ومن ثم جاءت هذه الجدية التي تطبع الأدب الجزائري الحديث والتي تذكرنا دائما أن الحياة في الجزائر قاسية شاذة فيها كل أنواع الظلم والمهانة، يعامل أبناؤها معاملة الحيوانات فلا غرابة إذا أصبحت القسوة تسيطر عليهم حتى حينما يضحكون فيخيل إليك أن ضحكتهم تعبير عن المرارة أكثر منها تعبيرا عن الفرح!
ولعل تلخيص إحدى قصص مجموعة «على المقهى» (1) للكاتب الجزائري محمد ديب، يعطينا فكرة عن المنحى الذي يسير فيه الأدب الجزائري ...
رجل عاطل له ثلاثة أطفال. جرب حظه في الوطن الأم -كما يحلو للفرنسيين أن يسموا بلادهم- ولكنه لم يجد عملا وعاد على بلاده الجزائر ليجد كل الأبواب مقفلة في وجهه. وعندما اشتدت أزمته لم يعد يذهب إلى بيته، كان يظل جالسا على المقهى ينظر في تبلج إلى الوجوه المظلة بالبؤس التي تحاول فقد الإحساس بالزمن .. كل ليلة ينتظر على لمقهى حتى يأخذ النوم بأجفان أطفاله الجائعين ويهد التعب زوجته المترقبة. قضى على هذه الحال ثلاث سنوات إلى أن كان مساء وفد فيه على مقهى رجل أطلق سراحه من السجن .. وكان تعارف بينهما تبعه حديث، وسأله صاحبنا عن السبب الذي دخل من اجله السجن فأجابه بأنه أقدم على السرقة بدافع من الجوع ولكن الحارس فاجأه فاضطر إلى الدفاع عن نفسه فقتل الحارس عن غير قصد وسيق إلى السجن. وهناك عاش مع المجرمين وأخذ عقله يحلل وضعيته ووضعية الآخرين، فأدرك قساوة المجتمع الذي يسحقهم ويلفظهم خارج حدوده في حالة «عدم صلاحية» لا لشيء سوى أنهم أرادوا أن يدفعوا عنهم غائلة الجوع فسرقوا فتاتا من موائد السادة وإذا بهم يعاقبون بهذا السجن الذي يجردهم من إنسانيتهم. وعلمه السجن أيضا أن يسخر من المحامين الذين لا يدافعون عن لمجرم إلا بعد ارتكابه للجرم. أية فائدة من ذلك؟ لماذا لا يدافعون عنه قبل أن يضطر إلى الإجرام وذلك بأن يوفروا له إمكانيات الحية الشريفة؟ ولتستمع إليه بخطاب المعمرين والإقطاعيين في المجتمع:
- «إن عالمكم هو الذي يبعث في نفسي التقزز، وإنه ليبعث في الناس ألما كبيرا. يحسن بكم أن تمنحونا وإلا
(1) Au Café - Nouvelles - par Mohammed Dib