الإشارة فتستقبلها المراعي الخضراء والأشجار المكسوة بالأزهار فتنبعث فيها حياة جديدة؟
- إني لا أفهم كلامك، يا ولدي، غير أني أحس له بوقع غريب يولد في نفسي قوة لا أعهدها، ويفتح في أعماقي ينبوعا دافقا من الجلد والأمل.
لقد فهمت! أنا أمك، يا ولدي، وأنت فلذة كبدي، إلا أن الجزائر، تربيتنا الحبيبة، أم أجيال وأجيال من ولدان وشباب وكهول، ولا عليك وعلى جميع أبنائها حق الأمومة الخالدة.
فلترفرف بأجنحتها الحانية عليك، ولتتقبل في الجبل تضحيتك، وتضحية هذه العجوز الفانية: أمك!
سأحفظ لك يا ولدي شبابيتك في أعز مكان حتى تعود فتبعث في جوفها ألحان النصر والحرية؛ فإن مت فأعزف عليها فوق قبري.
وسأتعهد فأسك ومحراثك ومنجلك حتى ترجع ويكون الخصب قد دب من جديد في هذه التربة السمحة.
- وداعا، يا أماه، إني ذاهب لألتحق بالفتيان الأحرار، وكأن كل خطوة من خطواتي موقعة مربوحة!
باركي جهادي، يا أماه، وكوني قوية، فبقوة الأمهات وصبرهن تحيا الجزائر وتقف على قدميها .. !
وولت الشمس نحو الغروب هادئة كعادتها، ولم يبق يلوح في العتمة -في انتظار ميلاد الصبح الجديد- غير شبحين:
شبح الفتى المتجه نحو الجبل، وشبح الأم التي فارقت وحيدها ..
وتلك هي الجزائر: أم صابرة، وفتى شجاع، وأمل يلوح من بعيد ... من بعيد!