تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن أذرعتنا ستمتد وتطول مع الأيام حتى إذا ما تجرعنا ما يكفي من هذه السفالة فإننا نحن الذين سنمحقكم ... »

كان صاحبنا يستمتع مشدوها إلى الحديث الذي علمته التجارب لصديقه، ومن خلال كلماته أخذ يكتشف أكذوبة المجتمع الذي يعيش فيه وأخذ إيمانه بضرورة الصبر يتلاشى ...

في هذه القصة الممتعة يعرض محمد ديب مشكلة إنسانية هامة وهي الضمان الذي يجب أن يقدمه المجتمع للفرد حتى لا يظل فريسة للجوع والضياع، هذه المشكلة التي تتقارع المذاهب السياسية من أجلها دون أن تستطيع التوصل إلى حل نهائي، فكيف إذا كان هناك مستعمر يجثمن على صدر الشعب ويستغل خيراته ولا تترك له حرية توفير إمكانيات الحياة لإفراده؟

أما من ناحية الشكل فإن قصص هذه المجموعة لا تعتمد على العقدة، ويمكن أن نقول عنها أنها من القصص المفتوحة التي لا تهتم إلا بالإثارة قدر اهتمامها بتصوير الجو وتشخيص مسرح الحوادث، وهذا الاتجاه يذكرنا بقصص تشيخوف التي تمثل لحظات جياشة تعكس الحياة بكل انفعالاتها وصدقها، بل إننا نجد بعض قصص محمد ديب تلتقي مع قصص تشيخوف في طابعها الإنساني وذلك مثل قصص: «ابنة العم الصغيرة» «الانتظار» «زواج سعيد».

ففي قصة «ابنة العم الصغيرة» تطالعنا صورة أليمة لمنصورية الفتاة المسلولة التي جاءت من الريف ودخلت المستشفى حيث قضت سبعة أيام تمتعت فيها بوجبات أكل دسمة، ولكنهم طردوها بعد ذلك بدعوى أن المستشفى لا يتسع لها أكثر من هذه المدة .. وعادت لتنام في الإصطبل وتفكر في الموت، موتها .. كانت تسترجع أصدقاءها الذين يتحتم عليها أن تزورهم وتسترسل في خواطرها قائلة:

« .. ثم سأعود إلى كوخي لأنتظر الموت. وليس معنى هذا أنني مللت الحياة فمن المؤكد أنني سآسف على مفارقة الطيبين في هذا العالم ولكنني سأقول للموت: بادر إلي وإلا ذهبت إليك .. ، إنني عجوز منهكة .. وليست الشيخوخة هي التي تقتل، ولكنها الحياة التي نتلقاها مجزأة. لا شك انه ستوجد نفوس كريمة تخيط لي كفني وتدفنني في شكل كريم، «أحباب ربي بزاف» .. كم هم عديدون وطيبون أولئك الذين يشبهوننا، فهل يوجد شيء أجمل من الحياة؟!».

اعتقد أن هذه الخواطر التي وردت على لسان بطلة القصة تظهر لنا في قوة إنسانية محمد ديب وعمق إحساسه بالظم الذي يتلقاه مواطنوه.

وهذه المجموعة بما اشتملت عليه من تصوير لليأس الذي يعيش فيه الإنسان الجزائري، وللظروف المحيطة به تثير في القارئ إيحاءات غنية ونقنعه بأن الكاتب يعيش واقع بلاده ويؤمن بانتصار قضيتها؛ ورغم الصورة الكئيبة للحياة في الجزائر فإن الكاتب لا يعني يزرع الأمل بين طيات السطور مبشرا بالربيع الذي سيشرق على بلاده، هذا الأمل الذي عبر عنه في إحدى قصائده قائلا:

أيتها الريح

ريح الليل القاسية

عودي إلى البلاد التي جئت منها وقولي لها:

عليك السلام

هذا هو الربيع، بين ملتقى الجبال

إنه يعد ساعات واضحة

فيها العسل وفيها الذرة

وفيها القمح للبشر وللكائنات أجمعين

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٨٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٨٠٨