تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عن مجرى التيار السياسي الذي يصب فيه الغلاة، وقد كان من أبرز مظاهر الاتجاه التصريح الذي تم إعلانه في 16 شتنبر الماضي.

إنه ليس من الحكمة تلقف هذه الظاهرة الجزئية واعتبارها أساس لوجود قطيعة جوهرية بين الجمهورية الخامسة وبين غلاة الجزائر، فلا يزال النظام الفرنسي بالفعل يعرب عن مظاهر التودد إلى هؤلاء المتطرفين وينسجم أحيانا مع الخط السياسي الذي يسلكونه، ومن آيات ذلك الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزارة الفرنسية في 15 أكتوبر الماضي والذي أكد فيه البرلمان الفرنسي أن الجزائر لا يجوز مطلقا أن تنفصل عن فرنسا.

إلا أنه بالرغم من ذلك فهناك ما يبيح الاعتقاد بوجود بعض بوادر الانفصام بين المسؤولين الفرنسيين وبين المنظمات المتطرفة في الجزائر.

إن الجانب الأساسي في الأمر هو ما أمكن ملاحظته من ضعف التماسك الذي كان يوجد بين مختلف التيارات اليمينية في فرنسا والجزائر، فقد بدأت العزلة السياسية تحيط بكثير من زعماء لجان الإنقاذ العمومي وعناصر 13 مايو (4) وقدماء المحاربين كما أن الانسجام الذي كان يصل بين هذه المنظمات وبين حزب اتحاد الجمهورية الحاكم قد أخذ يفقد فعاليته.

فهل يعني كل هذا أن تيارا من التفهم الواعي لحقائق المشكلة الجزائرية قد أخذ يجتاح فعلا الأوساط المسئولة في باريس ويجعلها أكثر تبصرا ورشادا؟.

ليس هناك في الواقع ما يجيز الرد على هذا السؤال بالإيجاب، فالاتجاه الفرنسي الجديد ليس -بحق- وليد وعي قانوني أو إنساني للمشكلة الجزائرية وإنما هو نتيجة الضغط الذي توجهه الظروف المحلية والدولية وتؤثر به على المسؤولين الفرنسيين، فقد أخذ يتأكد أكثر من أي وقت مضى أن استمرار الحرب في الجزائر في مختلف الكتل الشعبية الفرنسية، وتتركز صور التوتر هذه بقدر ما يزداد تأثير النظام الجبائي الحالي - الذي تفرضه النفقات في الجزائر- على مستوى الحياة عند جماهير الكادحين، هذا بالإضافة إلى ما تحدثه حالة المجندين الشبان في الجزائر من انعكاسات سيئة على مستوى الاستقرار الاجتماعي في فرنسا.

وقد غدا في إمكان المراقبين الفرنسيين أنفسهم ملاحظة هذه الحالة النفسية الحادة التي أخذت تجتاح مختلف الطبقات الاجتماعية الفرنسية، ومما يستأثر بالانتباه أن مظاهرها لم تعد قاصرة على الأوساط اليسارية والتقدمية بل إنها أخذت تجتاح مختلف الطبقات حتى تلك التي ترتبط مذهبيا بالأحزاب اليمينية المتطرفة، وقصة قارئ «لورور» (5) تلك التي استقاها الكاتب التقدمي الفرنسي «كلوديورد» من صميم الحياة الواقعية هي من بين الشواهد على ذلك.

هذا وقد كان لحرب الجزائر -من جهة أخرى- انعكاسات أعمق خطورة وأبعد مدى بالنسبة للعلاقات الفرنسية الدولية.

والحق أن خطورة هذه الانعكاسات لم تعد تتمثل فقط في توتر العلائق بين فرنسا والعالم الإفريقي الأسيوي، أنها أصبحت تمس سياسة باريس في المحيط الأوروبي وتسيء إلى مركزها داخل الأسرة الأطلسية وعلاقاتها الخاصة مع الولايات المتحدة وبعض الأقطار الأخرى التابعة لنظام الدفاع الغربي.

وكما كانت الجزائر هي أساس العلة التي أطاحت بالجمهورية الرابعة، فإنها أيضا كانت من بين العوامل الأساسية في نشوء هذا الوضع المضطرب التي توجد فيه الديبلوماسية الفرنسية، فقد انقضت سنوات عدة حينما تركز في أذهان المتطرفين اليمنيين أن استمرار الثورة في الجزائر رهن بالمساعدة التي تغدقها أمريكا على الوطنيين إغداقا!!، ولهذا فما فتيء الغلاة منذ سنوات عدة يهيبون بالحكومات الفرنسية المتعاقبة أن تتخذ مواقف مناوئة لا من الحليفة الكبرى فحسب، بل من مجموع نظام الدفاع الأطلسي! وكان من المتوقع جدا أن تجد هذه الدعوة طريقها إلى التطبيق غداة قيام الجمهورية الخامسة، واكتسبت الديبلوماسية الفرنسية بعد ذلك رداء قوميا

(4) تندرج هذه العناصر في منظمات عديدة من بينها: الحركة الجامعية -تجمع فرنسيي الجزائر- جمعية المعطوبين وغيرهم كثير.

(5) أحد الرجال العاديين في باريس كان مواظبا على قراءة الصحيفة المتطرفة «لورور» لأنه هو نفسه كان يمينيا متطرفا وكان يوالي بالطبع حركات القمع في الجزائر ولكنه تحول أخيرا إلى مناصرة مبدأ التخلي عن ذلك البلد لأن التمسك به سيفضي بفرنسا إلى الخراب.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٨٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٨٠٠