تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الباب نهائيا أمام كل إمكانية للسلم قبل سنوات عديدة ... »

إن القاعدة الجدية لتطبيق مبدأ تقرير المصير يجب أن تستوعب جميع مفاهيم هذا الحق بما يكفله ذلك من وجوب التحرر من الخوف وما في نوعه، وهذا هو الأساس الذي كانت ترتكز عليه استشارات مماثلة كتلك التي جرت في السودان العربي وغيره من الأقطار، وعلى هذا فما هو السبيل الذي سيتم سلوكه عند تطبيق مبدأ تقرير المصير بالنسبة للجزائر؟ هل سيتم اللجوء إلى مبدأ الإشراف الدولي؟ وإذا كان ذلك ضروريا فهل من الواجب أن يتم عن طريق الوساطة الإفريقية (المغرب وتونس مثلا) أو عن طريق الأمم المتحدة؟ وإلى أي مدى سيذهب هذا الإشراف؟ وما دور السلطات الوطنية الجزائرية بالنسبة إلى ذلك؟.

إن نقطة الضعف الأساسية في تصريح 16 شتنبر هو انه لم يكن ينطوي على ما يمكن أن يحدد موقف باريس من هذه المواضيع الهامة، وإذا جاز ذلك بالنسبة للنص الأصلي فكيف نعلل تمسك باريس برفض كل بادرة تفاوضية تستهدف بحث الجانب السياسي لمجموع القضية الجزائرية؟

إن هناك حقيقة بارزة وهي أن احتمال إخفاق المشروع نهائيا سوف لا يكون عاملا على امتداد مظاهر الأزمة الحالية فحسب، بل انه سيعين على مضاعفة تعقد الوضع الحالي، وتوسيع نطاق النتائج التي قد يتمخض عنها ذلك. وليس هذا من قبيل الافتراض الاعتباطي، إنه يشكل حقيقة أساسية يؤكدها الكثير من المراقبين الدوليين، بل إن هناك من المراقبين من يذهب في الاستنتاج إلى حد بعيد وخاصة فيما يتصل بالوضع العسكري حيث يزداد الاعتقاد بأن نطاقه سيزداد اتساعا وامتدادا. إن التفكير في هذه الاحتمالات لم يعد قاصرا على الأوساط الصحفية - الإخبارية، لقد غدا يملأ أذهان كثير من العناصر البرلمانية والحزبية بما فيها تلك التي لا تنتمي إلى تكتلات اليسار المعتدل أو المتطرف ومن الأمثلة على ذلك ما أعرب عنه السيد «برنار لامبير» نائب الحركة الجمهورية الشعبية -في المجلس الوطني الفرنسي- وذلك حينما نص على أنه إذا وقع رفض التباحث مع الحكومة الجزائرية «فإن ذلك سيهيب بهؤلاء الذين يحاربون إلى التماس النجدة من الصين التي تترقب كل فرصة لاستغلالها في هذا الصدد، إذ أن هناك ثلاث طائرات صينية توجد بالفعل في السماء الإفريقية وهكذا سيفضي الأمر في الخير إلى تدويل قضية الجزائر بكل ما ينطوي عليه هذا التدويل من نتائج ... »

فالموقف الناشئ عن تصرح 16 شتنبر ليس إذن من البساطة بدرجة كبيرة أنه قد يصبح عاملا هاما له تأثيره على سير مجموع القضية نحو التعقيد أو الحل ولكنه -مع ذلك- سيبقى أساسا لحل ممكن شريطة أن يتم التوصل على أساسه إلى صيغة معقولة تحدد الرأي المشترك للجانبين المعنيين، ولكي تستوعب هذه الصيغة مقتضيات الحالة القائمة في الجزائر فإنه سيكون من المعقول مراعاة كثير من النقط في الموضوع، ومن بينها:

الفترة الانتقالية: تحديد أمدها وشروطها -تعيين الوضع الإداري الذي سيسودها- البت في مصير الجهاز القائم.

تطبيق مبدأ تقرير المصير: تحديد وسائل التطبيق وأساليبه.

الجهاز التنظيمي: تركيبه واختصاصاته ووضعيته أنه ليس من الضروري انتهاج خطة معينة في التباحث، إلا أن الذي يعنى في الأساس هو اجتناب تجزئة المشكلة إلى جانب سياسي وجانب عسكري واعتبارها ككل تترابط عناصره وأجزاؤه بعضها ببعض، إن المظهر العسكري للمشكلة ليس في الواقع إلا مظهرا ثانويا، لأنه لا يقوم بذاته كمعضل مستقل، بل يتفرغ فقط عن وجود الأزمة الكبرى التي كانت ولا تزال متمثلة في الصراع بين الإدماج والاستقلال في الجزائر. وهذا هو الأساس الذي يجب أن ينطلق منه عند التفاوض.

ولكن هل يجوز أن يكون الوضع السياسي في فرنسا ملائما لإجراء مباحثات من هذا النوع؟ إنه من البديهي أن النظام الحالي في فرنسا لم يقم إلا على أساس العمل الانقلابي الذي تم تحقيقه للغلاة في 13 مايو 1958، ولهذا فقد كانت الرابطة التي تصل بين الغلاة وبين النظام الفرنسي الراهن رابطة أكيدة ومتينة، فقد هيمنوا بالفعل على مقاليد الحياة السياسية في فرنسا عن طريق السيطرة على الحكومة والبرلمان، وتم لهم بذلك اكتمال الاستيلاء على الجهاز التنفيذي والتشريعي، هذا بالإضافة إلى ما كان يتوافر لهم من إمكانيات العمل ف يكل من الجزائر وفرنسا.

على أن هذه الأوضاع قد بدأت تتطور -في الأسابيع الأخيرة- تطورا بطيئا وموصولا، فقد أخذ رئيس الدولة الفرنسي يتظاهر بالاستقلال النسبي

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٩٩