تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

متهوسا ينسجم مع تطرف الغلاة في الجزائر، وهكذا اخذ المسؤولون في باريس يحتذون في السياسة الخارجية -نهجا غريبا يقوم على أساس من المساومات الرخيصة أحيانا والتهديدات المكشوفة أحيانا أخرى.

ولم يكن لذلك من نتائج إلا ما بدا يحيط الوجود الدولي لفرنسا من غيوم قاتمة، فقد أخذت بوادر العزلة تتهددها من وقت لآخر، بل إن هذه العزلة ما فتئت -منذ الربيع الماضي- تأخذ صورا واقعية تتمثل في توتر العلائق مع الولايات المتحدة (حول موقفها من الجزائر) وايطاليا (حول حادث القنبلة بروما) وسويسرا (حول قضية الإيداعات الجزائرية في المصارف السويسرية) ويوغسلافيا (حول زيارة الرئيس عباس لبلغراد) وغير ذلك من الأقطار.

لقد كان طبيعيا أن يكون لهذه المشادات الفرنسية الدولية -المترتبة عن الوضع في الجزائر- نتائج متعددة المظاهر والأشكال، وقد كان من أبرز هذه النتائج:

1) عزلة الأسطول الفرنسي.

2) استغناء الولايات المتحدة عن القيمة الإستراتيجية لفرنسا وذلك لفائدة ألمانيا الاتحادية.

3) تسمم العلاقات مع الدول المجاورة كسويسرا مثلا.

4) انخفاض نسبة التضامن الفرنسي الأمريكي.

من الواضح إذن أن امتداد الحرب في الجزائر لم يكن مما يعين على تدعيم مركز فرنسا في الأسرة الدولية، بل إن هذه الحرب قد كانت ولا تزال بالفعل أساسا لكثير من المتاعب التي تلاحق الحكومة الفرنسية باعتبار علاقاتها مع العالم الخارجي.

ولعل إدراك المسؤولين الفرنسيين لم يكن يقصر عن استيعاب هذه الحقيقة البارزة، ولكن الأحوال العقلية التي كانت تسيطر على أذهانهم والتي كانت تغذيها برامج «شارل» وتظاهرات التآخي -لم يكن تساعدهم على تقدير النتائج التي تترتب عن استمرار العراك.

وامتدت الثورة صاعقة جبارة وتبدد مع امتدادها ذلك الحلم العسكري الذي كان يراود المسؤولين في باريس والذي كان يوحي بإمكانيات الوصول إلى إخماد أنفاسها المستعرة.

ولهذا كان من الضروري أن يتجه تفكير الجنرال دوكول إلى سلوك مناحي أخرى لحل المشكلة، ومن ذلك كان إعلان الاعتراف بحق تقرير المصير في تصريح 16 شتنبر الماضي.

لقد انقضت سنة كاملة منذ أن صادقت اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة على ملتمس الكتلة الإفريقية الأسيوية الذي يعلن اعتراف المنظمة الأممية لا بحق تقرير المصير فحسب، بل أيضا بوجود الحكومة الجزائرية وكفاءتها للتفاوض من أجل الشعب الجزائري.

فالتصريح الفرنسي إذن ليس إلا تصديقا على هذا الاعتراف الدولي الهام بحق إنساني أساسي: هو حق اختيار المصير، ولكن هذا التصريح -من جهة أخرى- سيبقى قاصرا بالنسبة لملتمس اللجنة الخاصة ما دام أنه لا يقر للحكومة الجزائرية صلاحية التفاوض من أجل إعداد الحل السياسي للمشكلة القائمة هذا في الوقت الذي لا تفتأ فيه حكومة السيد عباس تعدد وسائل التعبير عن الاستعداد للتباحث من أجل إنهاء النزاع عن طريق تطبيق مبدأ تقرير المصير.

فهل للأمم المتحدة -في دورتها الحالية أن تقدم على اتخاذ الخطوة التالية فتمهد السبيل بذلك لتحضير الالتقاء الفرنسي الجزائري حتى يمكن التوصل لصيغة مشتركة تستهدف إقرار السلام وتصفية النزاع بما له من جوانب سياسية وعسكرية؟. ذلك ما يصبو إليه الجميع.

آراء أجنبية:

برنار لامبير - نائب: عن موضوع الجزائر لا يراه الرأي العام الفرنسي والدولي إلا على أساس واحد هو: أن افتتاح المفاوضات رهين على الأخص بالموقف الذي يتخذه الجنرال دوكول، فمنذ أن تم له القبض على أزمة الحكم وهو يؤكد دائما إرادته في الوصول إلى توقيف عاجل لإطلاق النار، وعليه الآن أن يتمم المنهاج السياسي الذي أختطه من قبل، وإلا فإن التاريخ سيلقي عليه مسؤولية ضخمة في حالة نجاح أو إخفاق السلام في الجزائر بل في العالم، انه ليس من داع للمغالطة: ذلك إذا لم يتم تطبيق النهج الذي يستهدف السلام، فإن تدويل النزاع -هذا الذي يخشاه الفريقان- سيغدو أمرا محتوما، عن معركة الأمم المتحدة لم تربح بعد، ومن المحتمل أنها إذا ما لاحظت بعد شهر حصول الاتفاق بين الطرفين على مبدأ تقرير المصير، فإن أقل ما توصي به حينئذ هو ما ينتظره الناس في فرنسا نفسها: فتح الحوار الفرنسي الجزائري، لماذا لا نحزم أمرنا نحن إذن؟ لماذا لا نوثر من الآن سياسة السلم هذه؟ ..

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٨٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٨٠١