تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخالق. والدين يعبر عن هذه الحقيقة بطريقته الخاصة عندما يقول إننا في الله نحب الناس. وكبار المتصوفة يقررون أنهم يحسون بتيار يذهب من روحهم إلى الله ثم ينزل من الله إلى الجنس البشري وإننا لنحس دائما أننا نستقي قوة حب الإنسانية من الصلة بالبدا المولد للنوع الإنساني.

والطبيعة بوضعها النوع البشري على مدار التطور إرادته اجتماعيا كما أرادت مجتمعات النمل والنحل.

ولكن طالما أن العقل موجود فقد كان لابد أن يوكل توطيد الحياة الاجتماعية إلى ميكانيزم شبه عاقل فهو عاقل في أن كل قطعة يمكن للعقل الإنساني إعادة تشكيلها وهو غريزي مع ذلك في أن الإنسان لم يكن ليستطيع -دون أن يظل إنسانا- أن يرفض مجموع الجزاء وأن لا يقبل ميكانيزما حافظا. وحفظ لمجتمع هو الضرورة الوحيدة وهذه الضرورة تجلب الغريزة معها.

والإنسان عندما خرج من الطبيعة كان كائنا عاقلا واجتماعيا واجتماعيته كانت مهيأة للتأذي إلى مجتمعات صغرى وعقله كان مقدورا لتحبيذ الحياة الفردية وحياة المجموع ولكن العقل في تمدده بجهده الخاص قد اتخذ نورا غير منظور فحرر الناس من العبوديات التي منتهم بها تعقيدات طبيعتهم. في هذه الحالة لم يكن مستحيلا لبعض الناس الموهوبين بصفة خاصة أن يعيدوا فتح ما كان مغلقا وأن يفعلوا لأنفسهم على الأقل ما يستحيل على الطبيعة أن تفعله للإنسانية، والمثل الذي ضربوه قد انتهى إلى جذب الآخرين ولو بالخيال على الأقل.

والإرادة لها عبقريتها كالفكر وبواسطة هذه الإرادات العبقرية فإن نزوة الحياة إذ تتخلل المادة تحصل منها لمستقبل الجنس على وعود لم يكن لها محل عندما كان الجنس آخذا في التكون. وفي ذهابنا من التماسك الاجتماعي إلى الأخوة الإنسانية تقطع علاقتنا مع طبيعة معينة ولكن ليس مع كل طبيعة أي إننا ننفصل عن الطبيعة المطبوعة لكي نعود إلى الطبيعة الطابعة.

فالفرق بين الأخلاق الأولى والثانية كالفرق بين السكون والحركة. الأولى ثابتة وإذا تغيرت فسرعان ما تنسى أنها تغيرت أو لا تعترف بالتغير. والصورة التي تتبدى فيها في أية لحظة تزعم أنها الصورة النهائية أم الأخرى فهي دفعة واحتياج للحركة. إنها حركة من حيث المبدأ.

هذا عرض موجز مستقى من كتابات برجسون نفس عن المجتمع والخلاق ومن ثم نرى فيه سكونا وثباتا وانغلاقا من جانب وحركة وانفتاحا وتمددا من جانب آخر. والجانبان مختلفان في الطبيعة لا في الدرجة فمن أين أتى هذا التوقيف؟ لقد كان الأولى ببرجسون أن يلتزم النتائج التي أتى بها في كتاب التطور الخالق حين قال أنه لا يوجد اختلاف جوهري بين الانتقال من حالة إلى حالة وبين البقاء في نفس الحالة وكل ما هنالك أننا إذ نغمض العين عن التغيير الدائم لكل حالة سيكولوجية سرعان ما تفاجئنا ضخامة التغيير في لحظة فنضطر على القول بأن حالة جديدة قد جاءت إلى جانب الحالة السابقة. ثم ننظر إلى الحالة الجديدة كما لو كانت تبقى ثابتة بدورها وهلم جرا .... وهو إذ يهاجم في هذه النصوص وغيرها الانفصال بين الحالات. يفصل بين الأخلاق المفتوحة والأخلاق المغلقة هذا الفصل العنيف الذي يغلق الباب بينهما ويجعل كل واحدة منهما من طبيعة مغايرة ولا يسعنا إلا أن نرى في هذا أثرا للنرجسية ومن مؤداها أن العالم الذي انفتح لبرجسون أن ينفتح لسائر الناس ولذلك فإن الإنسان قد خلق لمجتمع مغلق. أما المجتمع المفتوح فلا سبيل إليه إلا للبطل. وكان الجدر أن نرى في الاجتماعية شبيها في المادة في أنها حركة منفضة ومن ثم تكون الإنسانية هي الفعل الذي يسير وهي الأصل حتى يتجمد في انقلاب الحركة إلى ما هو اجتماع مغلق.

ومما يزيد المر خطورة أن برجسون قد أقام النسيج الأصلي للعالم على الكره والتربص والتناحر والحرب وجعل السلام العالمي أمرا بعيد المنال وقال صراحة «أن المجتمع المفتوح بصفة دائمة والخلاق المفتوحة باستمرار من ضروب المحال».

ولعل غرامه بمثال النمل والنحل واعتبار مجتمعاتها مجتمعات نموذجية هو الذي أدى به أن يتمنى أن يكون النوع البشري على غرار النمل والنحل. ثم يقرب المجتمع الحديث من البدائي وينتظم الجميع في غريزة مغلقة ويرى في ثورة المستعمرات رغبة في الانفلاق الطبيعي يلفظ الدخيل الفاتح كما يرى في الحروب بين المجتمعات صورة طبيعية غريزية.

إن الأصل في كل شيء هو التمدد ولا يحصل الانكماش إلا عند الخطر أو عند الشعور بالخطر. والمجتمع المغلق الذي تأمله برجسون ما هو إلا انكماش

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٩٢