فالعقل والغريزة كلاهما صورة للشعور وكان لابد أن يتداخلا في الحالة الأولى للخلية ثم ينفصلا فيما بعد على خطين رئيسيين -الخط الأول غريزة الحشرات والخط الثاني يقوم على طرفة العقل الإنساني. المثل العلى لفعل الغريزة نراه في خلايا النحل ومساكن النحل أما فعل العقل فنجده خالصا في المجتمعات الإنسانية. والفرد في الحالة الأولى ملصق لوظيفته بحكم تكوينه نفسه وبحكم تنظيم ثابت نسبيا. بينما المدينة الإنسانية ذات صورة متغيرة ومفتوحة لكل أنواع التقدم. والإلزام الكلي كان يمكن أن يكون من الغريزة لو أن المجتمعات الإنسانية لم تكن في شكل ما مكللة بالتنوع وبالعقل والمجتمع الحديث أيضا إنما هو مجتمع مغلق شأنه شأن مجتمع الحشرات والمجتمع الإنساني البدائي. ولا عبرة بما تتطاير به الأقوال والفلسفات من حديث عن الإنسانية جمعاء وعن واجبنا نحو الإنسان بما هو إنسان. فالواقع أننا حين نقول أن واجب احترام حياة وملكية الآخرين حاجة أساسية للحياة الاجتماعية لا نتكلم عن مجتمع يضم الإنسانية كلها وإلا جابهنا ما يقع زمن الحرب من قتل وتدمير وغش وخداع وكذب واحتيال مما يصبح موضع المدح والتقدير. بل عن الحرب أمر عادي طبيعي كالمرض تماما. وما الصحة إلا جهد مستمر لتوقي المرض أو إبعاده وكذلك السلام هو استعداد للهجوم والدفاع بل استعداد للحرب ومن ثم فإن الغريزة الاجتماعية التي ألمعنا إليها في صميم الإلزام الخلقي تهدف دائما إلى مجتمع مغلق مهما كان متسعا ولا يمكن أن تستهدف الإنسانية كلها لأن بين الأمة مهما كبرت وبين الإنسانية مسافة كبيرة كالتي بين التناهي واللامتناهي وبين المغلق والمفتوح.
وواضح أن التماسك الاجتماعي راجع في جزئه الأكبر إلى ما لدى المجتمع من ضرورة الدفاع عن نفسه ضد الآخرين. وإننا في مبدأ الأمر حين تحب الناس الذين نعيش معهم فإنما يكون ذلك ضد كل الناس الآخرين وهذه هي الغريزة البدائية وهي ما زالت موجودة كامنة تحت ما جاءت به المدينة. وإننا حتى اليوم نحب والدينا ومواطنينا بصفة طبيعية ومباشرة بينما حب الإنسانية إنما هو مكتسب وغير مباشر عن طريق الله وفي الله يحض الدين الإنسان على حب الجنس البشير وعن طريق العقل وفي العقل الذي نشترك فيه جميعا يجعلنا الفلاسفة نتطلع إلى الإنسانية لتربنا المكانة الكبرى للشخص الإنساني هي حق الجميع في الاحترام ولسنا في هذه الحالة ولا تلك نصل إلى الإنسانية على درجات عن طريق الأسرة والأمة.
يجب أن ننتقل بقفزة إلى أبعد منها ونبلغ إليها دون أن نتخذها كغاية وذلك بتعديها. أما الأخلاق الكامنة أو الأخلاقية التامة المطلقة فإنها لا تنسجم إلا في أناس استثنائيين انبعثوا على مدى الأزمنة وعرفتهم الإنسانية في حكماء اليونان وأنبياء إسرائيل وراهنات البوذية وقديسي المسيحية ومتصوفة الإسلام وغيرهم، ويجب أن تجسد هذه الخلاق في شخصية ممتازة تصبح مثلا يحتذي.
لماذا كان للقديسين مقلدون ومريدون؟ ولماذا كان رجال الخير الكبار يجرون خلفهم الجماهير؟ إنهم لا يطلبون شيئا ومع ذلك يحصلون على كل شيء. إن وجودهم في ذاته دعوة بينما الإلزام الطبيعي هو ضغط ودفع. ففي الأخلاق الكاملة توجد دعوة وطبيعة هذه الدعوة لم يعرفها في تمامها إلا أولئك الذين وجدوا في حضرة شخصية خلقية عظيمة غير أن كلا منا مرت عليه لحظات ظهر له فيها أن مبادئه العادية في السلوك غير كافية فنساءل عما كان يتوقعه منه فلان أو فلان في تلك المناسبة. هذا ألفلان قد يكون والدا أو صديقا وقد يكون شخصا لم يسبق أن قابلناه وإنما حكيت لنا قصة حياته وبالمخيلة سلمنا سلوكنا إلى حكمه خاشين لومه فخورين بتأييده. بل قد يكون شخصية تولدت فينا منتزعة من صميم النفس على ضوء الضمير وهي شخصية نحس بها قادرة على أن تجتاحنا تماما فيما بعد ونريد أن نرتبط بها في الوقت واللحظة كما يرتبط المربد بالشيخ.
وقصارى القول أنه يوجد نوع من الإبداع الخلقي يبتدئ بين الوقت والوقت لدى بعض الوجدانيات الاستثنائية الرقة واللطف والتضحية بل البطولة المصحوبة بحماس خارق وبأفعال تحدد الخطوط الايجابية لما يسمى بالعدالة والخير في تاريخ معين وبلد معين بحيث تلمع في الأفق لمعانا وهاجا وبحيث أن أولئك الذين يمارسونها يضربون بأنفسهم أمثلة تعتبر عدوى متنقلة.
عندما يتخذ الخلق هذه الصورة فإنه لا يكون موجها إلى حماية مجموعة إنسانية ضد مجموعات إنسانية أخرى كما تفعل الخلاق المغلقة: أنه ينظم للإنسانية كلها أنواع الدفاع والحب. والبطولة لا يوعظ فيها بل هي تظهر فقط ومجرد ظهورها ووجودها يمكنه أن يحرك الآخرين لأنها هي نفسها عود إلى الحركة وهي تصدر عن انفعال -يعدى ككل انفعال- قريب من فعل