الحد فيعترف لصديق أو لأي إنسان محترم ويكون بذلك قد عاد إلى حظيرة واقعة عند بعض الناس إن لم يكن عند المجتمع كله وهو على كل حال لم يعد غريبا تائها عاطل الشخصية وعلى العموم فإن المجتمع هو الذي يرسم للفرد برنامج حياته اليومية. فإذا ما واجه الفرد اختيار ما في لحظة معينة فإنه يختار بالطبع ما يطابق القاعدة المرعية دون وعي وبدون جهد ويسير في الطريق الذي خططه المجتمع. ومن ثم تتم الوجبات آليا أو بما يقرب من الآلية وطاعة الواجب هي في أغلب الأحيان سير مع الطبيعة واستسلام.
إلا أن الطاعة تبدو أحيانا على العكس كأنها حالة توتر ويبدو الواجب في بعض الحالات تضمن مجاهدة للذات ولو أنها حالات استثنائية. إلا أننا نلاحظها بما يصحبها من شعور حاد ونظرا لتماسك التزاماتنا فيما بينها ومهما بدا طبيعيا أن يقوم الإنسان بواجبه فإنه يمكن أن يلقى في ذاته بعض المقاومة. والتمرد الطبيعي لدى الطفل وضرورة التربية برهان قوي على هذا.
وإننا لنرتكب خطأ سيكولوجيا كبيرا إذا قلنا أن طاعة الواجب هي قبل كل شيء مجاهدة للذات وحالة توتر وشد. فالالتزام ليس واقعة موحدة لا تضاهى والأخريات. فكل عادة إنما تتضمن في الواقع اتحادا خاصا من العادات ولا تفهم من غير هذا الاتحاد ولا ينظر إليها في هذه الحالة الشاملة.
ومن هنا نشأت المشكلة التي أضلت الفلاسفة إذ اعتقدوا أن الإلزام ينحل إلى عناصر معقولة فادخلوا العقل خصما ثالثا في الدعوى ورأوا أن المجاهدة التي تقوم في وجه طاعة الواجب آتية من العقل الذي يبرر لنا العمل لكي نثبت على الطريق المستقيم عندما تثنينا عنه الرغبة أو العاطفة أو المصلحة وحتى إذا عارضنا الرغبة اللاشرعية برغبة أخرى. فإن هذه الرغبة الأخيرة وقد استشارتها الإرادة لم تصدر إلا بناء على نداء فكرة.
غير أن الميل الطبيعي أو المكتسب شيء وشيء آخر هو المنهج المعقول بالضرورة الذي يستخدمه كائن متعقل ليهب للميل قوته ولكي يكافح ما يعارضه. والواقع أنه حيث يكون الواجب مرسوما كله فنحن نلقي عليه شيئا من الظلال عندما نؤديه إلا أن السير على الطرق كما رسمها المجتمع بدون عنت ولا مشقة هو اتجاه الأغلبية الساحقة للناس. والأرجح أنه عام في المجتمعات المنحطة وهناك قوة تتوطد نسميها الإلزام الكلي وهو مستخرج مركز عن آلاف العادة الخاصة التي تعودناها في طاعة الآلاف من متطلبات الحياة الاجتماعية. وهذه القوة إنما هي شيء يسيطر بدون وعي «ينبغي لأنه ينبغي» ولا يفعل العقل فيما يجده من حجج ومسلمات ومبادئ إلا أنه يوجد انسجاما منطقيا أكبر في سلوك هو خاضع للاحتياجات الاجتماعية التي لابد منها. والإنسان في ساعات الإغراء لا يمكن أن يضحي بصالحه وعاطفته وكبريائه لمجرد الحاجة إلى الانسجام المنطقي. غير أن العقل إنما يقيم عملية تنظيم لدى كائن معقول لتوطيد الانسجام بين قواعد أو مسلمات إلزامية ولذلك رأت فيه الفلسفة مبدأ إلزام والأحرى أن نرى فيه العملية الموجهة التي تدير الجهاز ولا تسيره.
إن الإلزام ليتخذ صورة الأمر المطلق وإن كان يتعسر علينا أن نجد أمثلة لهذا الأمر في الحياة الجارية. فالأمر العسكري الذي هو أمر عسكري وبالتالي غير مسبب ولا يناقش -ينبغي لأنه ينبغي لا يعتبر أمرا مطلقا. فعبثا لا يعطي للجندي سبب من الأسباب. ومع ذلك فإنه يتخيل سبب هذا الأمر. أما صورة الأمر المطلق حقا فإننا نتصورها في حالة نحلة يختطها شعاع من التفكير فحكمت بأنها على ضلال في أنها تعمل بلا انقطاع من أجل الآخرين. إن ما ينتابها إذ ذاك من الكسل لا يدوم إلا لحظات هي التي يبرق فيها بأرق العقل ثم يصبح للغريزة اليد العليا. وتعود النحلة إلى عملها بجد ونشاط. وينظر ذلك العقل آسفا ويقول «ينبغي لأنه ينبغي».
فالأمر المطلق إذن ذو طبيعة غريزية والنشاط العاقل يتجه نحو تقليد الغريزة ونسميه العادة. وأقوى العادات هي تلك التي تتفوق في حسن تقليد الغريزة.
فالنموذج الطبيعي للمجتمع هو النموذج الغريزي والصلة التي تربط نحلات الخلية فيما بينها كثيرة الشبه بالصلة التي تربط خلايا الكائن الحي بما هي متحدة ومتماسكة ومتساندة تخضع إحداها للأخرى وإذا أردنا تصور إن الطبيعة قد أرادت الحصول على مجتمع فيه فسحة للاختيار الفردي فإنها إذ ذاك تجعل العقل يحصل على نتائج تضاهي في انتظامها نتائج الغريزة في حدتها وانتظامها وهذا هو ما سميناه الإلزام الكلي.