تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شيء ضخم جدا في سلطانه إذا قيس بسلطان العادة حتى ليعتبر سلطان العادة إلى جانبه كما مهملا. ومع ذلك فإن من بين العادات تكاملا يجعلها تندمج اندماجا تاما في الإلزام في عمومه بحيث أن الكل يمنح لكل جزء سلطته الشاملة الكاملة ولا يمكن أن ينظر إلى تلك العادات منفصلة على أنها إلزامات صغيرة تتضام تضاما إضافيا. والقوة التي يستمدها الإلزام في الجزئي من جميع الإلزامات أقرب شبها بنشقه الحياة التي تنشقها كل من خلايا الجسم الواحد فهي تنشقها كاملة غير منقسمة من أعماق الكائن العضوي الذي هي عنصر من عناصره.

وإذا كان من فعل هذا الاتحاد الاجتماعي ما نرى من إجماع الناس على امتداح بعض الفعال واستهجان البعض الآخر فمن فعله أيضا تلك المسحة التي يحافظ عليها الجميع والتي من شأنها أن يبدو المجتمع في صورة المتكامل المتبع في قواعده حتى حين تكون تعاليمه الخلقية غير متبعة. فالشر يخفي نفسه والسر يحافظ عليه الجميع بحيث أن كل إنسان يكون ضحية للآخرين. ومن ثم نعتقد في قرارة نفوسنا أن الناس خير منا. وعلى هذا الوهم السعيد يرتكز جانب كبير من الحياة الاجتماعية.

من أين يأتي الإلزام لأوامر المجتمع؟ الواقع أن القوانين التي يصدرها المجتمع والتي تصون النظام الاجتماعي تشبه من بعض النواحي قوانين الطبيعة ونقول تشبيها لئلا يختلط الأمر بين قانون وقانون. يقول الفلاسفة أن هناك قانونا يقرر وقانونا ينظم. وهما أمران متغايران. الأخير يلزم ولا يتطلب ضرورة فهو يمكن تفاديه. أما الأول فلا محيص عنه تخضع له الوقائع والاستثناء منه لا يمكن أن يكون قاعدة مثل القوانين الفيزيائية ومبادئ الميكانيكا. وهذه الحالة تخلع على مثل هذه القوانين الصفة الآمرة عندما تبلغ درجة معينة من التعميم وكذلك الصلة الآمرة التي توجه إلى العالم تتمثل لدينا كقانون من قوانين الطبيعة.

وحين تتقابل هاتان الفكرتان في العقل يقوم بينهما تبادل. فالقانون الطبيعي يأخذ من الأوامر ما فيها من إلزام والأوامر تستقي من القانون الطبيعي ما فيه من لا محيطية وبالتالي فإن مخالفة النظام الاجتماعي تكتسي صفة مضادة للطبيعة وهي حينما يطول تكرارها فإنها تتخذ طابع الاستثناء وهو للمجتمع بمثل المسخ في الطبيعة.

وعلى كل حال فإن كل شيء في العالم يساهم في جعل النظام صورة محاكية للنظام الذي تتبعه الأشياء في الطبيعة وكل منا إذ يلتفت نحو نفسه يحس إحساسا واضحا بأنه قادر على إتباع ذوقه ورغبته أو نزوته. وأنه مستطيع عدم التفكير في الآخرين من الناس ولكن ما أن تساوره هذه الرغبة حتى تنبعث قوة معارضة قوامها جميع القوى الاجتماعية مجتمعة. والإحساس بهذه الضرورة مصحوبا بالشعور بالقدرة على التملص منها هو نفسه ما نسميه الإلزام. فهو بالنسبة للضرورة كالعادة بالنسبة للطبيعة.

ولكن ليس مؤدى هذا أن إلزام الكلي قادم من الخارج ومفروض على الإنسان بدون رضاه وان هذه الاجتماعية ليست كل ما في الإنسان فإن له صلة بنفسه كما له صلة بالمجتمع. ومن ثم فغن الفرد لا يضيع في غمار تماسك المجتمع وتكامله وترابطه وإلزامه فالتماسك الاجتماعي لا يوجد إلا بوجود «أنا اجتماعي» مضافا إلى الأنا الفردي. وتنشئة هذا الأنا الاجتماعي هو جوهر التزامنا نحو المجتمع. والمجتمع إنما يسيطر علينا بإيغاله في باطننا فهو فينا حيثما نكون.

ولنحلل الآن الإحساس الندم في نفس أحد عتاة المجرمين. إننا في بادئ الأمر قد نخلط بينه وبين الخوف من العقاب ويدفعنا إلى هذا الخلط ما يجهد فيه الآثم من احتياطات دقيقة في إخفاء جريمته وعدم كشف أمره وما يقلقه من تصور أن تفصيلا من تفاصيل الاحتياط قد أهمل فتمسك العدالة بدليلها الكاشف. ولكن نظرة أخرى عميقة فاحصة تبدي لنا شيئا آخر مغايرا -أن الأمر لدى الرجل ليس أم تجنب العقوبة بقدر ما هو محو للماضي وغزالة لآثار الجريمة كما لو لم تكن قد ارتكبت. والجهل بالشيء يقرب من عدم وجوده فعلا. غير أن الآثم إذا كان قد نجح في إلغاء جريمته في نظرة الناس فإن ضميره هو يظل عالما بالجريمة ويأخذ في إبعاده عن المجتمع الذي ود بمحو آثار الجريمة أن يرسخ قدمه فيه فما زال الناس يبدون احترامهم لشخصه كأنه ولم يعده وبالتالي لم يعد المجتمع يخاطبه هو وإنما يخاطب به شخصا آخر فكيف يعود إلى اللحاق بالركب؟ إنما يعود حين يخاطبه المجتمع هو فيكون له كيانه من جديد. إنه يفر من التجاهل لشخصه بأن يعترف بجرمه وهو في هذه الحالة سيعاقب وسينال ما يستحق ولكن المجتمع سيخاطبه هو إذ ذاك وبعد ذلك سيعود إلى حظيرة المجتمع. وقد يحدث أحيانا أن لا يذهب الآثم إلى هذا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٨٩