تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيلسوفنا إذن إنما بحث عن الثالث المجهول وإني بالثالث المجهول ليصحح به الأوضاع وينظم به نطاق المطلق وقد استخرجه من باطن نفسه فبحث عن سر عبقريته وعن جوهر كيانه فنادي به هذا إلى أنه قد وهب شيطانا مريدا طويل الباع والذراع لا تقف دونه عقبة ولا تعتور طريقه أشواك. فهو يصل بهذا الشيطان الفريد إلى الفهم مباشرة وإلى الوقوف وجها لوجه أمام الحقيقة في عربها الجميل.

فالعلم محدود بأدواته والعقل محصور في اعتباراته وكلاهما ينغمس في عوالم ميتة أو شبه ميتة أو على الأقل مقطعة الأوصال مفككة الروابط موقوفة عن الحركة وعن الصيرورة. فهي إذن ليست على نفس المعالم لأنها تنظر في غير مدرها ومسارها وفي حالة أخرى هي حالة الوقوف والتقطيع والتجريد في كلمات تنتظم كل شيء ثم تنجلي عن لا شيء كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.

فما هذا الذي يدرس الأمور في حركتها وفي مدارها. وهو من ثم لابد أن يعيش معها وفيها أنه ليس العلم وقد اخطأ ولا مناص من أن يخطئ. وليس العقل وقد ضل ولا مناص من أن يضل. وإنما هو «الحدس» هو العيان المباشر. العيان الباطني الذي لا تحده أدوات الحس في قصوره وسكونها. ولا توقفه قواعد الاستدلال في تيهها وشطحاتها. إنه الإشراق بالمعرفة. أنه الكشف الصوفي. إنه التغلغل في ذرات الأشياء والتجاوب معها. أنه اتحاد بالطبيعة الطابعة والطبيعة المطبوعة معا أن صحت استعارتنا لكلمتي سبينوزا. انه العلم الذي ما إن وقف عليه الحلاج حتى قال: أنا الله.

كيف يتأتى هذا الحدس وما هي مقدماته والعوامل عليه؟ هي المشكلة الثانية التي تممت منهج برجسون وأعطته الصورة النهائية فبقيت معه حتى آخر حياته. إن برجسون نفسه يعترف بعجزه عن تعريف الحدس وشبهه بشيطان سقراط. فهو شيء لا نخلقه ولا نوجده وغنما هو يأتي فجأة ويحصل طفرة ويصل إليه الموهوبون. عن طريق هذا الحدس المتغلغل في صميم الأشياء. وصل برجسون إلى «لازم» جديد هو اكتشافه الأكبر. وهو «الديمومة» التي هي تغير متصل وتجدد دائم. هي صيرورة وحركة تنتظم الماضي والحاضر والمستقبل معا.

وإنك لتسمع على برجسون وهو يتحدث عن نشأة الحدس في بدايته عنده أو عند الفيلسوف فكأنك تقرأ سيرة الغزالي في منقذه. فالشيطان الذي يهمس عند برجسون بالنفي وبكلمة مستحيل هو نفس حالة الغزالي حين انهارت ثقته في العلم وفي الفكر وفي المنطق وكانت هذه هي الفاتحة إلى اتجاهه لطريق الصوفية وقد كان لبرجسون من حياته وعزلته وانطوائه ما يجعله على صلة وثيقة بالحركة الهائلة التي تدور في باطن النفس الإنسانية -حركة لا تقف ولا تنقطع. حركة ذات نزوات وبدرات يحس بها من خلال نفسه فترة طويلة من الزمن ويقل الإحساس بها في غمار حركة العالم الخارجي التي تشغله عن رؤية الحركة الباطنة في كامل قوتها.

وليس لنا أن نعرض لكل ما تعرض له ففسره ولونه بألوان الحركة الدائبة والتطور المتداخل الذي يأتي دائما بجديد في وثبات حيوية مفاجئة. وإنما الذي أردنا أن نمهد له بكل هذه التوطئة المجهدة فهو أن برجسون قد سار في كتاباته جميعا على هذا المنهج وتطبيقه وأتى الخلاق والدين بنفس المنهج فبحث عن الثالث المجهول حتى أبدعه وأدخل في حسابه الحيوية الديناميكية بصورة أو بأخرى.

ولدنا وفينا عادة الشعور بضغط المجتمع أو على الأقل تعتبر هذه العادة أقدم ما في ذاكرة البشرية ونبصر على الفور أن هناك أمرا ونهيا من جانب وطاعة وانصياعا من الجانب الآخر.

والمجتمع يتكون من تجمع إرادات فردية مثلما يتكون الكائن العضوي الطبيعي من تجمع خلايا. والارتباط والتماسك بين الإرادات في الأول يعدل ما بين الخلايا في الثاني. إذ تلعب العادة نفس الدور الذي تلعبه الضرورة في الكائنات الطبيعية.

ولكن هل تمحي الإرادة الفردية أمام سلطان العادة وضغطها؟ الواقع أن هناك صراعا مركزا بين العادة والإرادة. فكل من عادات الطاعة تحدث ضغطا على إرادتنا ونستطيع التملص من عادة ما غير أننا أذاك ننجذب إليها ونعود من جديد كما يعود البندول إذا أبعد عن الخط الرأسي -ومن ثم نحس أننا مجبرون على الرضوخ للعادة. فإذا كان هذا هو شان العادة فما هو شأن الضغط الاجتماعي والإلزام الاجتماعي؟ أنه

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٨٨