تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 2 /أكتوبر 1959 ............... ص 51

المجتمع والأخلاق عند "برجسون"

للأستاذ: محمد المصطفى المغنى

معهد الجمهورية العربية المتحدة - الرباط

هل يتطلب المجتمع أخلاقا مغلقة؟

لا بد لنا من نظرة طائرة تحيط بذلك الذي يوجه الفيلسوف اتجاها معينا. ثم يثبت ليده هذا الاتجاه فيصبغ به حياته وفلسفته ويلون بأضوائه ما يراه من معالم الكون والناس والأشياء.

لا نقول عن ذلك الاتجاه ينبعث من شيء واحد أو حدث واحد يجيء كالصاعقة فيندفع في إرجاء النفس والعقل. لا يني حتى ينتظمها جميعا في وحدة واحدة هي وحدة العناء بهذا الأمر الصاعق - لا نقول هذا لأننا نؤمن بالطفرة أو على الأقل لا نؤمن بها على أنها طفرة بالمعنى الذي تتداوله بعض الإفهام من أنها شيء غير مسبوق وغير منطقي مع ظروف الزمان والمكان والإمكان ومن ثم شيء يجيء على غير توقع ويؤدي ما ليس متوقعا فإن الصاعقة نفسها أمر له مقدماته وإن كانت بطيئة وئيدة منثورة المعالم متباعدة الآثار ثم هي أيضا أمر محدد معالم النتائج إذا أنفسح للعقل من النطاق والأدوات ما يتيح له أن يقف على محصلة المقدمات: قوة واتجاها وطبيعة وتفريعا. وليس من شان هذه العجالة أن تخرج عن موضوعها وتستهدف برجسون نفسه بالبحث والفحص والتعمق والعيش معه وفي باطنه وبين ملابسات حياته وشؤونه قبل ولادته في لإمارتين بباريس في 18 أكتوبر عام 1859 إلى أن عاجلته ذات الرنة في 4 يناير عام 1941. لكي نقف على نسف الأحداث والانفعالات والأفكار التي كونت اتجاهات فيلسوفنا الراقد في مقبرة جارش والذي انتظمت موجة حياته 41 عاما من القرن التاسع عشر و 41 عاما من القرن العشرين.

ويكفينا أن نزعم هنا أن العامل الأول والأكبر قي اتجاهات برجسون هو النفسية الانطوائية التي نلمسها في مدارج حياته وفي إطواء كتاباته - تلك النفسية الانطوائية التي عكفته عن الاختلاط بزملائه في قسم الفلسفة بمدرسة النورمال حتى قالوا عنه مازجين انه رجل بغير روح.

قل إنها ترجع إلى نشأته أو إلى علته أو قل إنها بصدر عن وراثته أو عن ديانته أو قل إنها تتفرع عن نقص أو عن امتياز -قل ما شئت وكيف شئت فإنه على كل حال ولد هزيلا ومات عليلا، جاء زهيدا وذهب قعيدا وعاش مع نفسه أكثر مما عاش مع الناس وأحس بخلجات باطنه أكثر مما استمتع بحركة الناس والأشياء.

وإن نذكر النفسية الانطوائية فإننا نلمس شيئا آخر يتوافد معها بل يتلاصق. فالانطوائية تستتبع النرجسية وقد كان لابد لبرجسون أن يكون نرجسيا بظروف حياته كلها دون أن نحتاج إلى النظر فيها قطعة قطعة وتفصيلا تفصيلا.

ومن خلال هذه النفس الانطوائية الفريدة استطاع برجسون أن يخرج كل هذه الكنوز التي أوجدت فتحا جديدا في عالم الفكر ونشاطا موصولا في دنيا الفلسفة.

نقرأ في أكثر من تعليق أن برجسون كان من فلاسفة الاثنينية ويستدلون على اثنينيته ببعض الشواهد من سياق حديثة وتفصيل كتاباته وبعض هذه الشواهد صحيح في دلالته غير أنها دلالة ثانوية. أما الشواهد الأخرى الجوهرية فإنها لا تثير إلى اثنينية في واقع أمرها وإنما تشير إلى شيء آخر يبعد عن الاثنينية بعدا قل أو كثر.

بل إن شئت التعداد رأيت الثلاثية واضحة عنده في معنى من المعاني: الزمان والمكان والدهر الكيف والكم والديمومة، التجربة والنظر والكشف .... فهو لا يهدم الاثنين الموجودين في سوق الآراء ويسلم لها بمنطقة اختصاص ولكنها منطقة اختصاص لا تمتد إلى المطلق وإنما تقف عند حدود المنفعة والنشاط العملي والقشرة السطحية. أم اللباب والأعماق وما تحت السكون الظاهري من حركة لا تني فلها شيء ثالث لمحه برجسون في طيات نفسه وفكر فيه على مدى ما تصل إليه أماده وإبرازه سبيلا إلى المطلق ورأي فيه الطريق إلى تفسير مشكلات الحياة والكون والله.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٨٧