دعوة الحق، س.3، ع 2 /أكتوبر 1959 ............... ص 49
ثقافتنا والجامعة
بقلم محمد العربي الخطابي
لعبت الجامعات العلمية في مختلف الأقطار -وخاصة الجامعات الشهيرة- دورا هاما في خدمة الثقافة القومية، إلى جانب خدمة الثقافة الإنسانية والعلم والمدنية، وذلك بما يسرته من سبل البحث والدرس والتنقيب، وبما أتيح لها من أسباب ووسائل للاستنباط والابتكار في نطاق واسع من الحرية وتقدير جهود الباحثين والعلماء.
ومن الجدير بالذكر أن الجامعات التي يقرن اسمها دائما بالإجلال والاحترام قد خدمت الثقافة القومية للبلاد التي تقوم فيها خدمة كانت من أسباب أبرز شخصية هذه الأقطار من الوجهة الإنسانية والمادية، وإعطائها مكانا ممتازا بين أقطار الأرض.
ولا جدال في أن رسالة الجامعة الأساسية هي خدمة الثقافة القومية، وبالتالي الثقافة الإنسانية، لا ما يفهمه البعض أن رسالة الجامعة ومهمتها الجوهرية هي إيجاد الإطارات وتخريج الموظفين الذين تجمدهم مكاتب الوزارات والمصالح. فقد يشغل خريجو الجامعات -عن جدارة- المناصب الحكومية ويسدون فراغا في هذا الباب، ولكن الرسالة الحقيقية للجامعة ليست -بكل تأكيد- «إنتاج» الموظفين، بل إن مهمتها الأساسية هي خدمة الثقافة، وترقية المستوى الفكري والعلمي للأمة، وإشاعة المعارف فيها. ووسيلتها إلى ذلك، الدرس والتنقيب والبحث العلمي المنظم.
أسوق هذه المقدمة لوضح بعض الهداف التي أرى أن تخدمها جامعتنا الناشئة وان تسعى إلى تحقيقها خدمة لثقافتنا القومية.
لقد نص المرسوم الملكي الذي صدر أخيرا على أن مهمة الجامعة تنحصر في:
1 - تلقين التعليم العالي في جميع أنحاء المملكة.
2 - القيام بالبحث العلمي في جميع أشكاله.
وطبيعي أن البحث العلمي يجب أن يرمي قبل كل شيء إلى خدمة الثقافة المغربية، وأن يعني بالدراسات التي تمس هذه الثقافة من قريب أو بعيد.
إن بين أيدينا عناصر ثقافة تنتظر الأحياء والصقل والتشذيب والتجديد، هي ثقافتنا القومية، وتراثنا الفكري؛ وأمامنا أيضا ثقافة يجب أن نأخذ منها ونساهم في دعمها وإنمائها هي الثقافة العصرية: التراث الإنساني المشترك. ومهمة الجامعة الأساسية هي خدمة هذه الثقافة وبعثها والعمل عل تطهيرها من شوائب التعصب والركود، وجعلها ثقافة حية نامية، وعاملا فعالا من عوامل إسعاد مجتمعنا وترقيته.
إن جغرافية بلادنا لم تكتب بعد، وكذلك تاريخنا، ولم توضع لهما إلى الآن الحدود والمعالم فالكتب التي بين أيدينا من جغرافية المغرب وتاريخه أما كتب أجنبية لا يخلو معظمها من غرض أو تجاه لا يطابق حقيقتنا القومية وكياننا الإنساني والتاريخي؛ أو كتب وضعها مواطنون، بعضها يتسم بالطابع المدرسي المختصر الذي يهتم ببسط معلومات تكون في متناول التلاميذ الصغار، بحيث لا يشفي غلة الباحث أو الراغب في الإطلاع واستقصاء الحوادث واستنباط الحقائق؛ وبعضها اعتمد المصادر الأجنبية