تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التاريخ الذي نشأت فيه المدارس الابتدائية الأولى؛ وقد فهم الأمريكيون أن المعلومات التي يتلقاها الأطفال قد تختلف كثيرا بحسب المناطق أو العصور التي يعيشون فيها؛ ولكن الشيء الذي يؤمن به اليوم معظم المربين بأمريكا ويعملون كذلك على تطبيقه هو إعداد الطلبة بكيفية عملية للحياة العصرية، ولا يتحقق ذلك بالطبع إلا بمدادهم بالوسائل اللازمة وحثهم على توسيع دائرة المعارف التي ورثوها عن آبائهم.

ولم يقنع الأمريكيون بتنظيم هذا التعليم بحيث يستطيع شبابهم الاستمرار في البحث والتنقيب، ولكنهم يحرصون أيضا على أن يكون هذا التعليم دائما ممتازا يمكنهم من تزعم الحركة العملية حتى لا تتقدمهم دول أخرى كروسيا في عالم الاكتشاف والاختراع.

ويشير كثير من المربين نظرا للرجة التي أحدثها القمر الصناعي الروسي إلى ضرورة إعادة النظر في البرامج التعليمية وذلك برفع مستوى العلوم النظرية التي تدرس في المدارس على اختلافها لأنهم يعلمون أن الزعامة ستكون لا محالة للأمم التي تعطي تعليما صحيحا مناسبا لروح العصر.

وقد انعقد سنة 1955 مؤتمر ثقافي بالبيت الأبيض، تحت رئاسة الرئيس إيزنهاور شارك فيه ما يزيد على ثمانمائة وألف مواطن أمريكي ممن لهم اهتمام بشؤون التربية والتعليم بسائر أنواعه ومراحله في أمريكا؛ وقد اتفقوا على أن الأهداف التي يجب أن ترمي إليها تربية صحيحة سليمة في الولايات المتحدة هي: تزويد الأطفال بالمعلومات الضرورية كالقراءة والكتابة والمحادثة والحساب والأعمال اليدوية مع العمل على تنمية مواهبهم بحيث يصبحون في حالة يقدرون معها قيمة الميراث الثقافي الذي ورثته أمريكا عن العالم المتمدن، شاعرين بالمسؤوليات، محترمين لكرامة الإنسان أينما كان، متمسكين بالأخلاق الفاضلة، عاملين في سبيل مصلحة الوطن العليا، ويمكن أن يلخص الهدف الرئيسي للتربية، بالنسبة للأمريكيين، في كلمة واحدة هي إعداد الطفل بحيث يستطيع في جو مليء بالحرية والكرامة، أن يعمل لنفسه كما يعمل لغيره.

وتلك هي صفات الرجل الكامل الذي قال في حقه النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).

الخلاصة:

يستخلص من هذا العرض الطويل أن إمكانياتنا في المغرب كثيرة ومتنوعة، وانه باستطاعتنا استثمار خيرات بلادنا إن نحن صممنا العزم على الخروج من الطرق البالية التي ألفناها، وعرفنا كيف نستغل التجارب التي سبقتنا إليها كثير من البلدان في ميدان الثقافة والاقتصاد.

ومن الواجب أن نلاحظ قبل كل شيء أن النظام الإداري والتعليمي التي تسير عليه مؤسساتنا ومنظماتنا بكيفية عامة لا يتلاءم وحاجياتنا، ولا يناسب وضعيتنا باعتبارنا أمة فتية حديثة عهد بالاستقلال لا يزال مستوى معيشة أهلها عموما دون المستوى الموجود بين الأمم العصرية المتقدمة اقتصاديا. فواجب علينا أن نشعر بادئ ذي بدء أن نظام المركزية الذي ورثناه عن غيرنا فتمسكنا به مضر إلى حد بعيد بمصالحنا الإدارية لما يتصف به هذا النظام من بطء في الحركة والإنجاز؛ ثم مادمنا بصدد وضع تصميم ثقافي لخمس سنوات نرجو الله أن نتمكن بفضله من نفخ روح جديدة في معاهدنا الثقافية على اختلافها نرى من الضروري المؤكد رسم خطة جديدة لطلبتنا وتوجيههم من الآن فصاعدا توجيها عمليا متصلا بالحياة لأن المدرسة عندنا في واد والحياة الاجتماعية المحيطة بها في واد؛ هذه هي الحقيقة التي يجب أن نفتح عليها أعيننا؛ ولن نستطيع تلافي عواقب هذا الوضع القديم حتى نحمل الأكثرية من أبنائنا على توجيه أنظارهم لتعلم الحرف والصناعات التي يتوقف عليها ازدهار الحياة الاقتصادية.

لكن ذلك لا يتيسر حتى نتعرف على حاجيات المغرب من الوجهة الاقتصادية عموما والصناعية بصفة خاصة؛ وإذا كانت بلادنا غنية بمعادنها وموادها الأولية وهذا هو الواقع الملموس فلا بد من إعداد السواعد والعقول إعدادا خاصا كي تعمل على استثمار هذه الخيرات؛ وواجب بالتالي أن نشرع من الآن في تصنيع البلاد، والتصنيع عملية تقتضي منا العدول عن تعليم نظري صرف والتفكير جديا في إقامة تعليم مهني مكانه، يستعد الفتيان والفتيات بمقتضاه لمزاولة مختلف المهن والصنائع الرائجة التي تفتح أمامهم طريق الحياة وتمهد لهم سبل النجاح.

هذا ويتعين علينا كذلك إذا كنا نرغب فعلا في إعطاء أبنائنا تربية صالحة تتناسب وروح العصر أن نضع رهن إشارتهم الوسائل التي يحتاجونها في ميدان التربية

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٧٩