تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المعاهدة الثانوية؛ ويتخرج المعلمون بعد إحرازهم على شهادة باكالوريوس الآداب؛ أما الأساتذة فينالون درجة ماجيستير قبل أن يسمح لهم بمزاولة مهمتهم. هذا وليس هناك فرق كبير بين طريقة تهيئ المعلمين وطريقة إعداد الأساتذة إلا أن الأولين يقضون ربع أوقاتهم في دراسة علوم التربية وعلم النفس، بينما تصرف بقية المدة في دراسة العلوم النظرية الأخرى؛ أما المرشحون لخطة التدريس الثانوي فإنه يخصص لهم سبع الحصة تقريبا لدراسة علوم التربية وما بقي من الوقت ينفق في تنمية ثقافتهم العامة.

هذا، وفي استطاعة المعلم الابتدائي أن يرقى إلى درجة أستاذ على شرط أن يساهم في الدروس الليلية أو الصيفية التي تنظمها الجامعات؛ ومن الممكن كذلك أن يحصل على رخصة استيداع لمدة سنة كاملة تمكنه من الالتحاق بالجامعة استعدادا للتدريس بالمعاهد الثانوية؛ ومعلوم أنه ليس هناك تخصص بالنسبة للمعلم الابتدائي الذي يطالب بتدريس كل المواد؛ على أنه لابد للذين يرشحون أنفسهم للثانويات من أن يتخصصوا في المادة التي تناسبهم على أساس أن يضيفوا إليها مادة أخرى: فأستاذ الانجليزية مثلا يدرس معها مادة التاريخ، وأستاذ التاريخ يقوم في نفس الوقت بتدريس الجغرافيا بينما يشترط في صاحب العلوم أن يضيف إلى هوايته مادة الكيمياء أو الفيزيا؛ ولا يكون التخصص ممكنا في المادة الواحدة إلا بالنسبة لمدارس المعلمين العليا.

ومن الملاحظ أن المبادئ البيداغوجية التي يعتمدها المربون في الولايات المتحدة مزيج من شتى الفلسفات والآراء العالمية في التربية والتعليم.

هذا، ولا يستطيع المعلم أو الأستاذ أن يلتحق بمقر وظيفته حتى يعطي البرهان على أنه قادر على القيام بواجبه: ومن أجل ذلك توجد بجانب كل جامعة مدرسة ابتدائية تطبيقية يذهب إليها الطلاب ليتدربوا على طرق التعليم الحديثة وتدريس المواد المختلفة بما في ذلك الموسيقى والرسم والفنون الجميلة والأعمال اليدوية. وفي كل مدرسة من هذا النوع من الكتب ما يروي غليل المعلمين والتلاميذ على السواء؛ ويشترط في كل معلم أن يرافق تلاميذه إلى مكتبة المدرسة؛ ولا يجوز له أن يتدخل في شؤونهم إلا إذا أيقن أنهم لم يحسنوا اختيار الكتب المطلوبة. وملاحظة أخرى تستحق الاختبار فيما يرجع لتكوين المعلمين هي ضرورة اتصال المتدربين بأندية الأطفال المنبثة هنا وهناك، يشاركونهم في أحاديثهم وألعابهم ومناقشاتهم حتى يتعرفوا مباشرة على نفسية الأطفال المعقدة وتكتمل تجاربهم بالنسبة لمشاكل الطفولة، أما مديرة المدرسة التطبيقية، فتسهر على تسيير مدرستها بمساعدة المعلمات كلهن بمعنى أنها تكتفي بمراقبة سيرها من بعيد -كما تفعل المشرفة على التعليم الابتدائي نفسها- دون أن يتعدى عملها إلى مراقبة المعلمات مباشرة أو تفتيشهن؛ ذلك أن التفتيش بالمعنى المعروف في بلادنا لا وجود له في الولايات المتحدة؛ وليس هناك ألفاظ تثير اشمئزاز الأمريكيين أكثر من كلمة مدير ورئيس ومفتش لأنها كلمات في اعتقادهم تحمل في طيها سوء الظن، إذ يفهم منها تدخل أجنبي مباشر في شؤون الغير، لا مبرر له بالنسبة للمواطنين الأمريكيين الذين يباشرون الأعمال المنوطة بهم بمنتهى اللباقة والإخلاص؛ نعم، يوجد في أمريكا مراقبون على التعليم أو بالأحرى «مرشدون» تطلق عليهم كلمة «سوبر فايزز» يحضرون المدرسة كلما دعت الضرورة لذلك، وباستدعاء من المشرف أو المعلمين؛ فيوجهون ويرشدون من كان في حاجة إلى الإرشاد والتوجيه دون أن يكلفهم ذلك تحرير التقارير المطولة وإبداء أحكامهم القاسية على المعلمين.

هذا، وإن الأمانة في الرواية تحملنا على القول بأن الولايات المتحدة تقاسي اليوم شديدة فيما يرجع للمعلمين الأكفاء رغم تعدد الجامعات ودور المعلمين؛ ويعود ذلك إلى عدة أسباب منها أن الحرب العالمية الثانية استأثرت بكثير من الشبان كان من الممكن إعداد أغلبيتهم بمهنة التدريس بينما ازداد عدد المواليد بصورة استثنائية عقب الحرب المذكورة؛ وأن هناك المصانع والشركات الاقتصادية التي فتحت أمام الطلبة ميادين واسعة للعمل تذر عليهم بالطبع أرباحا زائدة، وتمنح الشبان فرص الكسب أكثر مما تمنحهم إياها مهنة التدريس، أما التعليم الثانوي فالأزمة خاصة بأساتذة العلوم والرياضيات.

هذا ولو أردنا أن نستقصي هذا البحث لوجب أن نقول كلمة قصيرة عن أحوال المعلمين وأجورهم: فالمعلم في أمريكا ليس موظفا بالمعنى المتعارف في البلاد الغربية، إذا ما حصل على تسميته في إطار المعلمين أدركه الفتور وراح يفكر في الترقية والحصول على تعويضات زائدة أكثر مما يفكر في الأساليب التي يعتمدها في ميدان المهنة التي اعتنقها عن طيب خاطر، مطمئنا على وظيفته التي لا يغادرها عادة إلا إذا أدركته سن التقاعد؛ بل المعلم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٧٧