تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لإظهار الدور الخطير الذي تلعبه الوسائل السمعية البصرية في التعليم الأمريكي أن نشير إلى أن مصلحة التربية الأساسية بجامعة بركلي بكاليفورنيا تسعى الآن سعيا حثيثا لإعداد أفلام حية يشارك في إخراجها كبار المفكرين والفلاسفة والقادة السياسيين أمثال الرئيس نهرو ووستن تشرشيل كي تقدم للجمهور العالمي؛ ويعتقد أن إذاعة هذه الأفلام ستساعد بلا ريب على إيجاد جو ملائم يفضي في القريب أو البعيد إلى إيجاد فرصة التقارب بين الأمم ونشر أولوية السلم في العالم أجمع.

وبالإضافة إلى ذلك كله تبدي الجامعات في كل مكان نشاطا ثقافيا كبيرا لإصدار مجلات ونشرات شهرية أو أسبوعية، لها أثرها البعيد في الميدان الثقافي؛ وبها كذلك مكتبات ضخمة تحتوي على مآت الآلاف من الكتب يستغلها الطلبة وأولياؤهم على حد سواء.

وإذا كان التعليم في الجامعات الأمريكية يكلف الطلاب نفقات باهظة قد لا يستطيع دفعها إلا أبناء العائلات الثرية، فإن هذه الجامعات تتمتع بميزانيات ضخمة لا تساهم فيها الحكومة عادة إلا بالقليل؛ ذلك عن معظم هذه الجامعات تعتمد ماديا على التبرعات التي تتوارد عليها من مختلف الشركات والهيآت التجارية؛ وتلك ظاهرة أخرى من مظاهر روح التعاون التي تمتاز بها الأوساط الأمريكية؛ فالأمريكيون عموما يفضلون الاعتماد على أنفسهم قبل الالتجاء إلى معونة الحكومة لتحقيق المشاريع التي يعولون على إنجازها؛ والأمريكي حريص على التمتع بما يوفره عليه نشاطه من تقدم مادي؛ فلا يقتصد شيئا من ربحه اليومي ولكنه يفضل المساهمة في الشركات التعاونية التي تمهد له سبيل الحياة؛ فيقتني بواسطتها البيت الذي يسكنه والآلات الضرورية التي تستخدمها زوجته كأدوات الطهي والكي والتنظيف، وبنفس الطريقة يستطيع شراء السيارة الضرورية التي تباعد عادة بينهم وبين مقر أعمالهم، وآلة التلفزيون التي لا يكاد يخلو منها منزل واحد.

وقد تولد عن هذا النظام الاقتصادي الرأسمالي عدد لا يحصى من الشركات التعاونية والهيآت التجارية أو الصناعية التي يمتد نشاطها إلى ميدان الثقافة بصورة تثير الإعجاب والاستحسان.

فالشركات تمد بالمساعدة المالية المدارس الابتدائية والثانوية؛ لذلك يستطيع الطلبة المعوزون أو الموهوبون متابعة دراستهم بفضلها، لكن معظم تلك الشركات لا تهتم إلا بإعانة طلبة التعليم العالي الذين وقفوا أنفسهم على البحث العلمي؛ ومن جملة هذه المؤسسات الخيرية الكبرى مؤسسة روكفيلير التي لها فروع في مختلف المدن الأمريكية. ومن الملاحظ أن هذه المؤسسة مستعدة لتقديم إعانتها لا للأشخاص والهيآت فقط، بل تقدمها أحيانا للحكومات، بقطع النظر عن الجهة التي يشتغل فيها الباحثون أو البلاد التي يودون الالتحاق بها أو لغة الدراسة التي يعتمدونها في أبحاثهم. يضاف إلى ذلك أن الحكومة الأمريكية تعمل جاهدة على تشجيع تلك المشاريع بإسقاط بعض الضرائب المترتبة عن الشركات والمؤسسات التجارية أو الأشخاص المتمولين الذين يقدمون قسطا من أموالهم في سبيل نشر العلم والعرفان؛ ومعلوم أن هذه الضرائب ثقيلة جدا على المواطن الأمريكي بوجه عام والشركات التجارية بصفة خاصة؛ وعليه، فمن الممكن أن نقول أن المتمولين في أمريكا محمولون، بحكم القوانين المفروضة على الرأسماليين على إنفاق قسط من ثرواتهم في سبيل الخير والمعرفة؛ ويتفق أحيانا أن تفضل بعض المؤسسات الإنسانية كمؤسسة فورد مثلا أرصاد قسط من مالها في أحد الأبناك لتأسيس جامعة قائمة بذاتها متكلفة بجميع ما يتطلبه تسييرها من نفقات تتصل بالأساتذة والمعيدين والخدم وما تحتاجه من أثاث وأدوات، وذلك بفضل الأرباح التي تذرها عليها المبالغ المالية الموضوعة في البنك؛ ولقد استفادت الجامعات حقا من تلك التبرعات استفادة كبرى حتى أن جامعة نيورك، وهي أعظم مؤسسة علمية في الولايات المتحدة، لا تتوقف في مليم واحد على مساعدة الحكومة؛ بل أصبحت هذه التبرعات من الأهمية والكثرة والتنوع بحيث اضطرت جامعة سان فرانسيسكو إلى إحداث مكتب داخل بنايتها تنحصر مهمته في تسلم التبرعات والإعانات من الأشخاص والهيآت والعمل على إنفاقها في سبيل الطلبة طبقا لرغبة المتبرعين.

إعداد المعلمين والأساتذة

وتؤدي الجامعات الأمريكية مهمة ثقافية كبرى بالإضافة إلى وظائفها الأخرى، هي إعداد المعلمين والأساتذة؛ ويشترط في الطلبة المعلمين أن يقضوا بعد تخرجهم من المدارس الثانوية أربع سنوات بالجامعة إذا كانوا يستعدون لمزاولة التدريس في المدارس الابتدائية، وتمتد تلك المدة إلى خمس سنوات بالنسبة لأساتذة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٧٦