المدينة ثم وصف المدينة المنورة وذكر من لقيهم بها من الفضلاء ثم وصف الطريق بينها وبين مكة المكرمة، ثم وصف الحج ومناسكه وما يتعلق به، وذكر من لقيهم بمكة ومنى وعرفات، ثم خروجه من مكة ورجوعه إلى المدينة المنورة ثم مغادرتها وقد أهل عليه هلال محرم سنة خمس وثمانين وستمائة في الطريق وصار إلى أن وصل القاهرة وذكر أيضا من لقيهم بها في هذه المرة الثانية ثم قصد الاسكندرية وذكر من لقيه بها في الصدور ممن لم يكن لقيه في الورود، وبذلك ينتهي هذا الجزء وقد كان أيضا في ملك الونشريسي والمنجور، عدده 1680 وقد كتب عليه أنه الخامس من رحلة ابن رشيد والجزء السادس هو الجزء الثالث من الأجزاء التي بخط المؤلف ونشير إليه بحرف دال يحتوي على ذكر سفره من الاسكندرية بحرا إلى أن وصل طرابلس فتونس حيث أقام سنة كما قدمنا وذكر في هذا الجزء عددا كبيرا ممن لقيهم بتونس في رجوعه أو تجدد له لقاؤه مع استطرادات مفيدة وإيرادات لطيفة تنم عن أدبه وذوقه «عدده 1737».
الجزء السابع ونشير إليه بالحرف هاء هو الخير وفيه بقية الكلام على تونس وأدبائها وعلمائها وخبر رحلته عنها إلى أن وصل مسقط رأسه «عدده 1735» وهذا الجزء من الجزأين «ألف ودال» من اهم المصادر عن تاريخ الأدب العربي بتونس في القرن السابع.
ومما تقدم يتبين أن رحلة ابن رشيد واسمها «ملء الغيبة بما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة» كانت تتركب من سبعة أجزاء لا من ستة ولا من أربعة كما ذكر، وسبب هذا الاختلاف هو ما يقع كثيرا في مثل هذه الكتب ذات الأجزاء الكثيرة من تصرف النسخة في تقسيمها فمنهم من يجعل الأجزاء صغيرة فيكثر عددها ومنهم من يجعلها كبيرة فيصفر؛ ولكن يظهر من ذلك أنها كانت تتركب في الواقع من ستة أجزاء إلا أن الأول كان ينقسم هو بدوره إلى جزأين والدليل على ذلك أن الجزء «ألف» كتب عليه هذه العبارة -الثاني من الأول وعلى هذا فلا ينقص نسخة الاسكوريال إلا نصف الجزء الأول والجزء الرابع وبعض أول الجزء الثالث وآخره.
ولابن رشيد مؤلفات أخرى منها اثنان لا يزالان محفوظين بخزانة الاسكوريال أيضا وهما «السن الأبيين والمورد الأم عن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعن عن» وقد ألفه في مدرسة سبتة سنة خمس وتسعين وستمائة والنسخة التي بالاسكوريال عليها خط المؤلف بالمقابلة على النسخة وتاريخ ذلك سنة اثنين وسبعمائة.
والثاني كتاب الإفادة النصيح بالتعريف بأستاذ «الجامع الصحيح» وقد ذكر فيه عددا من المحدثين والنسخة التي بالاسكوريال بخط أبي عبد الله محمد ابن هانيء اللخمي السبتي وسنتكلم عنه فيما بعد إن شاء الله وعليها خط المؤلف أيضا بتاريخ سنة ست وسبعمائة.
وله دون ذلك مؤلفات لم يبلغنا إلا أسماؤها ومنها ترجمان التراجم في إبداء وجه مناسبة -تراجم البخاري لما تحثها مما ترجمت عليه. ومنها «أحكام التأسيس في أحكام التجنيس» ومنها «الإضاءات والإنارات في البديع» وكتاب «وصل القوادم بالخواف في ذكر أمثلة القوافي» شرح فيه كتاب القوافي لشيخه أبي الحسن حازم وغير ذلك من التآليف في شتى الفنون.
ويحسن قبل أن نختم هذا الحديث أن نشير إلى وهمين منتشرين حول ابن رشيد الفهري أحدهما أن بعض من ذكره من المعاصرين قال عنه أنه سافر مرتين وقد رأينا أنه لم يرحل إلى المشرق إلا مرة واحدة. والوهم الثاني أعظم من الأول وهو أن كثيرا من المستشرقين يجعلون من ابن رشيد شخصيتين وذلك أن أحدهم ظن أن الونشريسي الذي يرد اسمه على الأجزاء التي كانت في ملكه هو المؤلف لها. ووهم في اسمه جاعلا له الونشريسي وكذا نجد في كثير من كتب تاريخ آداب اللغة العربية في باب الرحلات -رحلة ابن رشيد ورحلة الونشريسي.
ونرجو في الختام أن يوفق أحد العلماء ممن يشتغلون بهذا الفن إلى نشر أجزاء رحلة ابن رشيد المحفوظة بخزانة الاسكوريال.