الفوائد العلمية والتاريخ وطرق من الأخبار الحسان والمسندات العوالي والأناشيد وهي ديوان كبير لم يسبق إلى مثله» وقال عنها المقري في أزهار الرياض: «أودع فيها ذكر أشياخه وجمع فيها من الفوائد الحديثة والأدبية كل عجيبة وغربية».
وقد كانت أجزاء من هذه الرحلة توجد بمكة المكرمة حيث وقف عليها السيوطي كما ذكر ذلك في بغية الوعاة، وذكر العياشي بعد ذلك في رحلته أنه رأى منها بمكة أيضا عند شيخه أبي مهدي الثعالبي عدة أجزاء ونقل منها فوائد كثيرة وإنشادات عديدة وكان منها بفاس أيضا نسخة أو بعض الجزاء إلى القرن الحادي عشر حيث نرى شيخ الإسلام أبا السعود الفاسي ينقل عنها مباشرة.
ولكن اليوم لم يبق جزء واحد من كل هذه النسخ ببلد من بلاد الإسلام، وكل ما بقي لنا منها هي الأجزاء الخمسة المحفوظة بخزانة دير الأسكوريال قرب مجريط بإسبانيا تحتوي على ذخائر ثمينة جلها من مؤلفات أهل المغرب الأقصى والأندلس، وقد كانت التآليف التي تتركب منها هذه الخزانة ملكا للسلطان السعدي زيدان ابن المنصور وكانت محمولة في سفينة سقطت في أيدي قراصين اسبانيين أخذوها وذهبوا بها إلى بلادهم وقدموها هدية لملكهم فأمر بجعلها في الدير، الذي كان أمر ببنائه وهو دير الاسكوريال على نحو ستين كيلو مترا من شما العاصمة الاسبانية.
وقد وقفت عليها بهذه الخزانة في أحد تردداتي عليها، يقصد دراسة ما فيها من الرحلات وغيرها من المؤلفات التي تهم تاريخ بلادنا الأدبي، وكان ذلك في شهر شوال سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة وألف.
واختلف المؤلفون في عدد الأجزاء التي تتركب منه الرحلة فمنهم من ذكر أنها أربعة كالمقري في أزهار الرياض، ومنهم من جعلها خمسة وهو قاسيري مؤلف برنامج الاسكوريال، وتبعه في ذلك العلامة بروكلمان ومنهم من جعلها سنة كالسيوطي وغيره وبتحليلنا للأجزاء التي وقفنا عليها بالاسكوريال تظهر الحقيقة.
أجزاء الاسكوريال خمسة أشير إلى كل واحد منها بحرف من حروف الجمل: ألف، با، جيم، دال، ها، منها ثلاثة بخط المؤلف وهي ألف، جيم، دال.
وأول الأجزاء التي كانت تتركب منها النسخة التامة مفقود، وكان يشتمل على المقدمة، وذكر السفر من سبتة إلى المرية ثم الإبحار منها إلى أن وصل إلى تونس وذكر دخوله لهذه الحاضرة. والجزء الثاني وهو الأول من الأجزاء الخمسة الموجودة بالاسكوريال، والذي نشير إليه بحرف الألف يبتدئ بقوله: «وممن لقيناه بتونس مقدمي عليها من بلاد المغرب يرسم الوجهة الحجازية يسر الله مرامها» ودعاؤها هذا يدل على أنه بدأ كتابة رحلته أثناء سفره. وكل هذا الجزء فيمن لقيهم بتونس من الفضلاء والعلماء والكتاب مع استطرادات مفيدة وقد كان هذا المجلد في ملك الإمام المنجور ثم صار لولده عبد السلام وهو يقع في ست وستين ورقة «عدده 1736».
والجزء الثالث وهو المشار إليه بحرف باء، مبتور الأول ويبتدئ ما يوجد منه: «وممن لقيناه أيضا بثغر الاسكندرية» وعلى هذا ينقصه ذكر الخروج من تونس إلى أن وصل الاسكندرية بحرا أو برا مع ذكر عدد ممن لقيهم بها من الفضلاء. وهذا الجزء يحتوي على وصف مشاهد الاسكندرية ومن ذلك قوله في وصف مناره، وقد كان من أشهر آثار الدنيا وما مر كاتب بذلك المرسى ولم يتعرض له في رحلته قال فيه ابن رشيد رحمه الله: «ومن عجائب الاسكندرية منارها الذي يعجز عنه الواصف ويحار فيه الراصف وضخامته من داخله أكثر مما هي خارجه، وهو من عجائب المصنوعات وغرائب المرئيات: فاس على عشرين قدما، وذكر لي بعض الأصحاب أنه أخذ ارتفاعه بالأسطر لأب فألقي القاعدة ستين قامة والفحل الوسط أربعين والفحل الأخير عشرين والله أعلم» وفي هذا الجزء ذكر سفره إلى القاهرة والكلام على من لقيهم بها وهو مبتور الآخر أيضا وقد كان في ملك الفقيه أبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي صاحب المعيار ثم لحفيده محمد بن عبد الرحمان ثم للمنجور وقد كتب على ظهر أول ورقة من هذا المجلد -الثالث من رحلة ابن رشيد «عدده 1739».
الجزء الرابع مفقود وهو الذي كان يحتوي على ذكر سفره من القاهرة إلى أن وصل إلى دمشق مع وصف المقام بالعاصمة الأموية وذكر من لقيهم بها من الفضلاء إلى أن غادرها، ودليل ذلك أن الجزء الذي يليه يبتدئ بقوله: ذكر توجهنا من دمشق حماها الله تعالى إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم.
الجزء الخامس من الأجزاء الثلاثة التي بخط المؤلف، ونشير إليه بحرف جيم وهو يبتدئ بما ذكرنا من سفره من دمشق ويحتوي على وصف الطريق إلى