وبقي على هذه الحال إلى أن توفي بفاس في الثالث والعشرين لشهر المحرم سنة إحدى وعشرين وسبعمائة ودفن خارج باب الفتوح بالروضة المعروفة بمطرح «الجلة» المشتملة على العلماء والصلحاء والفضلاء من الغرباء الواردين مدينة فاس كما قال ابن الخطيب: «ومطرح الجلة هذا صار يقال له مطرح الجنة تفاؤلا».
كان ابن رشيد قبل كل شيء إماما في الحديث وكان أكثر اشتغاله بالعلوم الحديثية وكان لذلك على مذهب أهل الحديث في الصفات يقبلها على ظاهرها ولا يبحث في تأويلها، فاتهمه أعداؤه -على ما نقله ابن حجر في الدرر الكامنة عن سير النبلاء للذهبي- بأنه لم يكن مالكيا. ولنورد نص ما قال الذهبي بالحرف:
«وأخبرني ابن المرابط قال: كان شيخنا ابن رشيد على مذهب أهل الحديث في الصفات يمرها ولا يتأول وكان يسكت لدعاء الاستفتاح ويسر البسملة فأنكروا عليه وكتبوا عليه محضرا بأنه ليس مالكيا فاتفق أن القاضي الذي شرع في المحضر مات فجأة وبطل المحضر (5)».
ولكنا لا ندري أين وقع هذا الاتهام ولا متى، وعلى كل حال فهو يدل على تعصب كبير إذ لمن بلغ مبلغ ابن رشيد في العلم والتقوى أن يتمذهب بما شاء من المذاهب السنية.
وكان ابن رشيد خطيبا بليغا ينشئ الخطب البديعة وتارة يرتجلها كما وقع له مرة بمسجد غرناطة -على ما حكاه ابن الخطيب في الإحاطة المخطوطة- قال: «حكى عنه انه قام للخطبة يوما بعد فراغ المؤذن الثاني ظنه الثالث فلما قام نادى المؤذن الثالث، فقال بديهة: أيها الناس رحمكم الله أن الواجب لا يبطله المندوب وأن الآذان يعد الأول غير مشروع الوجوب فتأهبوا لطلب العلم وانتبهوا وتذكروا قول الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوه) فقد روينا عنه صلى الله عليه وسلم انه قال: من قال لأخيه والإمام يخطب أنصت فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له، جعلني الله وإياكم ممن علم فعمل وخوطب فقبل واخلص فتخلص. وذلك مما استدل به على قوة مطاوعة لسانه له».
وكان ابن رشيد يقرض الشعر أيضا إلا أنه كانت تظهر على شعره آثار التكلف ومن شعره هذان البيتان قالهما في البحر وقد انبسط عليه ضوء القمر ليلة البدر:
انظر إلى البدر قد مدت أشعته
على خضاره حتى ابيض أزرقه
والريح قد صنعت درعا مسامرها
حباب برق بدا للعين رونقه
وله أيضا
تغرب ولا تحفل بفرقة موطن
تفز بمنى في كل ما جئت من حاج
فلولا اغتراب المسك ما حل مفرقا
ولولا اغتراب الدار ما حل في التاج
وقد أورد له ابن الخطيب في الإحاطة -كما بالجزء المخطوط منها الموجود بخزانة الاسكوريال- قصيدتين أخريين.
وبالجملة فقد كان ابن رشيد جامعا لفضائل جمة، وقد وصفه الإمام الذهبي في سير النبلاء فقال فيه، كما نقله ابن حجر في الدرر الكامنة: «كان ورعا مقتصدا منقبضا عن الناس ذاهبية ووقار، يسارع في حوائج الناس، يجلب المصالح ودرء المفاسد، يؤثر الفقراء والغرباء والطلبة لا تأخذه في الله لومة لائم».
أما تأليفه فجعلها كما قدمنا في الحديث، وأهمها رحلته التي طبق ذكرها الآفاق، وإن كانت لا يوجد منها اليوم نسخة كاملة.
بدا كتابه هذه الرحلة مدة غيبته وأتمها بعد رجوعه، وقد ضمنها ذكر شيوخه الكثيرين الذين أخذ عنهم بأمصار المشرق والمغرب، ومن أشهرهم قطب الدين القسطلاني والحافظ عبد العظيم المنذري وشرف الدين ابن عساكر الدمشقي وغيرهم ممن يطول ذكرهم.
وقد أثنى على هذه الرحلة كل من ذكر مؤلفها فمن ذلك ما قاله ابن الخطيب في الإحاطة: «فيها فنون وضروب من
(5) الدرر الكامنة ج 4 ص 112.