تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب عبد المهيمن الحضرمي الذي سنتكلم عنه في العصر المريني الثاني وأرخ ذلك السماع بشهر جمادى الثانية من السنة المذكورة.

ولكن يظهر لنا، أنه على عادة أكثر من يدونون حوادث رحلاتهم، بدا ذلك وهو مسافر ثم لما رجع إلى بلده أخذ في تنسيق تقاييده وترتيبها ليخرجها للناس للإفادة أولا ثم للدلالة على مبلغ علمه وشهادة علماء الأمصار له، إذ كانت الرحلة بمثابة الأطروحات التي يكلل بها علماء وقتنا دراساتهم، والتي تبرهن على تفوقهم وعلو كعبهم في العلوم التي تخصصوا فيها.

وبعد أن قضى بسبتة خمس سنوات وجه إليه صديقه ابن الحكيم يستدعيه وقد كان حصل على كبير الحظوة عند ملك غرناطة محمد بن محمد بن الأحمر، وهو محمد الثاني، فلبى دعوته وقصد غرناطة فحل بها سنة اثنتين وتسعين وستمائة فعين للخطابة والإمامة بجامعها الأعظم، وأخذ يلقي دروسا ممتعة في المسجد المذكور فكان -كما قال ابن حجر في الدرر الكامنة- يشرح من البخاري حديثين يتكلم عن سندهما ومتنهما أتقن كلام (3).

وكانت للوزير اللوذعي أبي عبد الله ابن الحكيم أكبر العناية بصديقه العلامة «فكان إذا فرغ من الخدمة يجيء إلى ابن رشيد فيباشر خدمته بنفسه أحيانا ويبالغ في إكرامه» وكان موضع احترام سائر أهل غرناطة لما رواه فيه من متانة الدين وعلو الكعب في سائر العلوم وحرصه على إفادة طلابه.

وقد كانت له مع تخصصه في علوم الحديث مشاركة في غيرها وقد قال عنه ابن الخطيب بعد الفقرة التي تقدم لنا نقلها: «(كان) متضلعا من العربية واللغات والعروض فقيها أصيل النظر ذاكرا للتفسير ريان من الأدب حافظا للأخبار والتواريخ مشاركا في الأصلين عارفا بالقراآت» (4)

وكان يقرئ بغرناطة غير ما فن ويعقد مجالس للخاص والعام، فصارت له بسبب كل هذا مكانة علمية ودينية لا تداني، ولما توفى المحدث الكبير أبو جعفر ابن الزبير صاحب كتاب صلة الصلة، وقد كان قاضي المناكح بغرناطة، أضيف هذا الوظيف؛ لابن رشيد إلا أنه لم يبق فيه إلا مدة يسيرة، وذلك أن صديقه ابن الحكيم وقعت له نكبة فقتل سنة ثمان وسبعمائة وخلع سلطانه، وقد حاولت اليد الآثمة أن تعتدي عليه أيضا بالسوء فحفظه الله وفر من غرناطة ولحق بحضرة فاس حيث كانت سبقته الشهرة والذكر الجميل.

فحل بها معززا مكرما، واحتفى به سلطان المغرب أبو الربيع سليمان المريني أي احتفاء، وخيره في المقام أين شاء من مدن إيالته، فاختار سكنى مدينة مراكش لأنه كان تقدم له أن دخلها وأعجبته فساعده على ذلك أبو الربيع وانتقل إليها فعين خطيبا وإماما بجامعها العتيق وأقبل على تدريس العلم بها وقضى بها مدة لا نعرفها بالضبط، إذ إن كنا نقدر أنه لم يقم بفاس إلا يسيرا ريثما تم له أمر الانتقال إلى مراكش فإنا لا ندري متى غادرها، إذ يكتفي كل من ترجمه بالإشارة إلى أن السلطان استدعاه بعد ذلك من مراكش إلى فاس فلبى الدعوة وقصد مدينة فاس واستوطنها آخر أيام حياته.

ولا يقوم لنا متى وقع ذلك ولا من هو السلطان الذي استدعاه إلا أن التاريخ يعيننا على تعيينه، وذلك أن أبا الربيع توفى في آخر شهر جمادى الثانية سنة عشر وسبعمائة فلا يعقل أن يكون هو الذي استدعى ابن رشيد؛ إذ لم يكن قضى إذ ذاك بمراكش إلا نحو السنة فيكون الذي استدعاه هو السلطان الجليل أحد مفاخر الدولة المرينية أبو سعيد عثمان بن يعقوب وقد بقي على عرش المملكة إلى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة.

ولما حل ابن رشيد بمدينة فاس اقبله السلطان أبو سعيد بكل ما يليق بمقامه من الإجلال وصار من خواصه، ولا يبعد أن يكون استدعاه في أول أمره، ولم يكن الاتصال المتين الذي كان له بالملك ليمتعه من الإقبال على تبليغ رسالته العلمية، فكان يقضي جل أوقاته في نشر العلم وتأليف الكتب التي خلدت ذكره.

(3) ج 4 ص 2 من الدرر الكامنة.

(4) الإحاطة مخطوطو الاسكوريال ص 42.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٧١