تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأقام ابن رشيد بتونس مدة قضاها في التردد على مشايخها وتقييد الفوائد عنهم في شتى الفنون خصوصا في علم الحديث، وقد ضمن كل ذلك رحلته الثمينة مع تراجم كل من لقيهم من العلماء والأدباء وغيرهم.

ومن تونس سافر إلى الإسكندرية ولا ندري هل كان ذلك على طريق البر أم البحر أم البعض برا إلى طرابلس مثلا والباقي بحرا، وذلك لأن الجزء الذي تعرض فيه لسفره من تونس ومقامه بالإسكندرية مبتور الأول والآخر.

وقد أقام مدة بالإسكندرية مشتغلا بالبحث والتنقيب، دائم التردد على كل من يشار إليه بمعرفة في فن من الفنون، مقيدا كل ما يسمع وما يرى، ثم انتقل إلى القاهرة وحل بها يوم سابع رجب سنة أربع وثمانين وستمائة وقضى بها مدة وهو مقبل على الدراسة والاستفادة، لا ندري كم أقام بها. ولا متى حل بدمشق التي زارها بعد خروجه من مصر، ولا المدة التي بقي فيها بدمشق كل ذلك لضياع جزء لاشك أنه كان خاصا بهذه الأخبار.

وقصد بعد ذلك البلاد الحجازية فدخل المدينة أولا في طريقه من دمشق ثم مكة، وحج في موسم سنة أربع وثمانين، ثم رجع إلى المدينة ومنها إلى مصر فالإسكندرية، وهو في أثناء كل ذلك لا يفتر عن التقيد والبحث عن علماء كل بلد وأدبائه والأخذ عنهم ونقل أخبارهم وإفادتهم وإنشاداتهم.

وفي اليوم الرابع من ربيع الأول خمس وثمانين وستمائة، غادر الاسكندرية مبحرا قاصدا طرابلس الغرب فقضى بها بضعة أيام ثم غادرها وسار حتى وافى مدينة المهدية، وبحث فيها أيضا عن مشاهيرها على عادته في التنقيب عن أهل العلم والأدب، ومنها سار إلى مدينة تونس، فدخلها يوم الجمعة تاسع عشر ربيع الثاني سنة خمس وثمانين وستمائة.

وكانت مدينة تونس في ذلك العصر قد بلغت على عهد الدولة الحفصية الفتية أعلى مدارج الرقي العلمي وصارت في مصاف العواصم الإسلامية الكبرى كالقاهرة ودمشق وغرناطة وفاس، وقد رأينا في حديثنا الأول عن الرحالة العبدري إعجابه بها وقد زارها سنتين بعد ابن رشيد وإنما أخرنا الكلام على ابن رشيد لأنه لم يتوف إلا بعد اثنتين وثلاثين سنة من رحلة العبدري، ولم يكن إعجاب ابن رشد بمدينة تونس وبأهلها وعلمائها ليقل عن إعجاب العبدري، وقد برهن على ذلك بمقامه بها في رجوعه سنة كاملة تفرغ فيها للاستفادة أكثر ما كان في إمكانه من مشايخها، وقد فارقه بها صديقه ابن الحكيم ورجع لوطنه، حيث كان ينتظره مستقبل زاهر إذ صار بعد ذلك كاتبا لمحمد الثاني ألنصري صاحب غرناطة ثم رقاه بعد ذلك إلى منصب الوزارة.

أما ابن رشيد فإنه بعد أن أقام تلك المدة كلها بمدينة تونس، اشتاق إلى وطنه فغادرها يوم الخميس الرابع عشر من شهر ربيع الثاني سنة ست وثمانين وستمائة وقصد بلاد المغرب على طريق البحر، ومما يلاحظ بهذه المناسبة أنه بخلاف جل الرحالة المغاربة يؤثر السفر في البحر ولعل ذلك لأنه من أبناء المراسي وقد ربي بمدينة سبتة، فهو لا يهاب ركوب المراكب واختراق لجج البحر لاعتياده رؤية ذلك، وقد رسا به المركب ببونة قاعدة بلاد العناب المسماة اليوم عنابة فاجتمع بقاضي البلاد وبالوالي، ثم أبحر ونزل بمراس أخرى إلى أن وصل مدينة مالطة بالأندلس وإليها كان متوجها المركب الذي ركب فيه، ولم يقصد وطنه في الحين بل أزمع السفر إلى مدينة رندة لملاقاة صديقه ابن الحكيم، وقد كانا تواعدا عل ذلك لما كانا بتونس، وقبل خروجه من مالطة بحث عن علمائه وأخذ عنهم وذكرهم في رحلته الجامعة وقضى بها أسبوعا ثم توجه إلى رندة حيث التقى بصديقه ابن الحكيم وبحث أيضا عن مشاهيرها وأخذ عنهم، وقصد الجزيرة الخضراء ومنها أبحر إلى مدينة سبتة «والشوق قد برح، والفم قد صرح، والديار قد تدانت والأعلام قد تراءت» كما قال في آخر جزء من رحلته ودخل وطنه يوم الاثنين الثاني والعشرين من شهر جمادى الثانية سنة ست وثمانين وستمائة بعد أن تغيب عنها ثلاث سنوات قضاها كلها كما رأينا في الإقبال على التزود من المعارف والبحث عنها في مضانها البعيدة والقريبة حتى حصل منها على أكبر حظ وأوفره.

وتصدر بعد ذلك للإقراء ببلده وبدأ صيته ينتشر وأقبل على تأليف الكتب المفيدة خصوصا في الفن الذي تخصص فيه وهو علم الحديث، وإنا لا ندري بالضبط السنة التي بدأ فيها تدوين أخبار رحلته، حيث لم يرد شيء من ذلك في الأجزاء التي بقيت لنا من هذه الرحلة، وغنما نعلم أن ذلك وقع قبل سنة عشرين وسبعمائة، إذ قيد على آخر أجزائها سماع الأديب

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٧٠