دعوة الحق، س.3، ع 2 /أكتوبر 1959 ............... ص 33
ابن رشيد الفهري ورحلته إلى المشرق
للأستاذ محمد الفاسي
عميد الجامعة المغربية
تعميما للفائدة ننقل هذا البحث عن مجلة (معهد المخطوطات) عدد مايو 1959 حتى يتاح للقراء في المغرب أن يطلعوا عليه، خصوصا وأن المجلة المذكورة ليست واسعة الانتشار في المغرب.
وقد استأذنا حضرة الأستاذ السيد محمد الفاسي في ذلك، فإذن به سيادته مشكورا.
دعوة الحق
امتاز العصر المريني الزاهر بإقبال المغاربة على تدوين أخبار رحلاتهم، وكانت أقدم رحلة ألفت في هذا العصر هي الرحلة المغربية للعبدري. وقد برز المغاربة في هذا النوع الأدبي وبذرا غيرهم فيه حتى أن أشهر رحالة في العالم وهو ابن بطوطة كان من أهل المغرب، وحتى أن أعظم رحلة ألفت في العربية ألفها مغربي وهو الإمام ابن رشيد الفهري.
ولد أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عمر ابن محمد بن ادريس بن سعيد بن مسعود بن حسين بن محمد بن عمر الفهري بمدينة سبتة، ستة سبع وخمسين وستمائة، وكان من بيت عريق في المجد. وكانت مدينة سبتة في أوج عظمتها العلمية. فبدأ دراسته بها واخذ عن مشايخها، وكان اعتماده في علوم اللسان على أبي الحسين بن أبي الربيع قرأ عليه كتاب سيبويه واستوعبه وحصل على ثقافة واسعة إلا أنه مال من أول أمره إلى دراسة علم السنة وصناعة الحديث حتى تضلع منها، وصار له باع فيها طويل مما جعل ابن الخطيب يقول عنه: «كان رحمه الله تعالى فريد عصره جلالة وعدالة وحفظا وأدبا وسمتا وهديا واسع الأسمعة عالي الإسناذ صحيح النقل أصيل الضبط تام العناية بصناعة الحديث قيما عليها بصيرا بها محققا فيها ذاكرا للرجال (1)».
ولما بلغ السادسة والعشرين من عمره تاقت نفسه إلى أداء فريضة الحج وملاقاة علماء بلاد المشرق (2) ليكمل عليهم اختصاصه في علم الحديث ويحصل على أعالي الأسانيد وكانت له معرفة بالأديب الكاتب أبي عبد الله محمد بن حكيم الرندي، فاتفقا على السفر جميعا إلى المشرق فغادر كل منهما بلده والتقيا بمرسى المرية باب المشرق منها تبحر المركب الكبيرة قاصدة مراسي افريقيا الشمالية ومصر والشام.
وإننا نعلم تفاصيل رحلتها هذه، بما كتبه ابن رشيد في مؤلفه العظيم الذي سنتكلم عنه بعد، وهو الموجود منه خمسة أجزاء بخزانة الاسكوريال باسبانيا حيث وقفت عليها ولخصتها، وقد ضاع منه جزآن الأول أو بعضه وآخر في الوسط سنحقق أمره بعد أيضا، فلذا لا نعرف هل ذهب المركب بهما قاصدا مدينة تونس حيث نجدهما في أول جزء عندنا من هذه الرحلة، أم رسا بهما أولا في إحدى المراسي الأخرى كهنين أو الجزائر وعنابة.
(1) الإحاطة، مخطوطة الاسكوريال 132.
(2) كما ذكره ابن الخطيب في ترجمة ابن الحكيم في الاسكوريال 43.