تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحالة العلمية في عهد المولى اسماعيل

أما العلم في عهده فلا شك في انتشاره، لأن ذلك من نتائج المن والرفاهية، إلى ما كان يقوم به من تنشيط الحركة العلمية بإكرام أهلها، يحدثنا الشيخ مرتضى في شرح الأحياء أن المولى اسماعيل دعا علماء عصره (12) وفيهم اليوسي وقدم إليهم الطعام، فلما فرغوا صب على أيديهم الماء فامتنع اليوسي فغضب لامتناعه) وقد ذكر في نشر المثاني (إن المغرب في أيام المولى اسماعيل كثرت عمارته جدا، وجدد الناس في أيامه للعلوم عهدا، فكانت أسواق العلم في دولته عامرة ونجوم أفلاكه نيرة زاهرة) وذكر ابن الحاج في تاريخه إنه في أيامه كثرت العلماء وحفاظ القرآن، فكم من رجل ولد وقرأ وصار عالما من علماء المسلمين وولد له من صار عالما كل ذلك في أيامه المباركة) كما ذكر أيضا أنه كان في وقته لا يأخذ البيت بمدرسة الواد من فاس إلا من يحفظ مختصر ابن الحاجب، ومن أياديه البيضاء في نشر العلم بالرباط أنه كان أمر العلامة المحدث أبا الحسن العكاري بالمقام به لنشر العلم، وتخرج عليه جماعة من أهله وإليه تعزى النهضة العلمية.

انظر كتابنا: الغصن المهصور بمدينة المنصور.

العمارة الفنية في وقته

قرر ابن خلدون (13) أن آثار الدولة على نسبة قوتها في أصلها، وان قوة البناء المشيد وعظمته تدل على عظمة الدولة.

إن البناء إذا تعاظم شأنه

أضحى يدل على عظيم الشأن

وذلك لأنه يقضي بكون الدولة فسيحة الإرجاء، كثيرة الممالك والرعايا، يمكنها أن تحشد من أقطارها ما يتم به العمل على أعظم هياكله، واستشهد لذلك بديوان كسرى بالمداين وبلاط الوليد بدمشق وجامع بني أمية بقرطبة والحنايا التي جعلت لجلب الماء إلى قرطاجنة وبناء الموحدين بالرباط وبرباط أبي سعيد بالمنصور إزاء تلمسان وغيرها من المباني والهياكل، وتحن إذا نظرنا إلى المولى اسماعيل نجده من أعظم ذوي الآثار بين ملوك العالم، وأبنيته الضخمة ومساجده وقصوره وحياضه ورياضه ناطقة بذلك، وهي وإن غاب جلها عن رقعة مكناس فما غاب عن رقعة التاريخ، وقد أسلفنا أن قصوره كانت كمدرسة للصناعات والفنون بما كانت تعج به من الفنانين من ذوي المهن المتعددة من الأوربيين وغيرهم، وفيما كتبه الزياتي وصاحب الاستقصا وصاحب الارتسامات العطاف وصديقنا ابن زيدان، ما يقال في شأنه لا عطر بعد عروس. وأبدع عمارة للمولى اسماعيل يحدثنا عنها التاريخ هي مدينة الرياض، ويظهر انه تحدى بها مدينة فرساي التي أنشأها عصريه لوزير الرابع عشر، أو حاكى بها مدينة سامرا (سرمن راي) التي بناها المعتصم لجيوشه. وسبب هدم نجله المولى عبد الله لهذه العمارة التاريخية هو تآمر رجال الدولة عليه بها، كما كان سبب خراب سامرا هو ما كان بين أمراء الأتراك من الاختلاف والتناقض، فكان السبب قريبا من السبب، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

(12) يظهر أن هذه القصة وقعت يوم دعا المجاطي لختم التفسير في قصره.

(13) ص 148 - 288 من المقدمة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٦٨