تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن يقولوا أول العمل أن ذلك بنية الجهاد في سبيل الله، كما كان به فريق المصافرية وهم المتمرنون على الضرب بالسيوف وذلك بواسطة عصي يتمرنون عليها، وكانوا يتقاضون مرتبا من الديوانة.

ولما كانت أيام المولى الحسن الذي درس الحالة عن كتب واهتم بنشر المدينة الجديدة، أراد أن يرجع بالمغرب إلى مركزه ويرفعه إلى مستواه، فقام بوسائل مهمة، منها بعث البعثات العلمية إلى القطار الأوربية (وكان ذلك في العهد الذي أوفدت فيه اليابان البعثات أيضا) ولكن لم يتم له في ذلك أمر ولم تعقبه نتيجة مفيدة، لن الشعب المغربي إذ ذاك لم يدرك ما كان يدركه سلطانه، وما كان الناس يبعثون أولادهم لأوروبا عن رغبة، ولما مات المولى الحسن وخلفه ابنه المولى عبد العزيز على العرش قام بتدبير الملك حاجبه بأحمد وذلك لصغر الملك، وهذا الحاجب سياسي محنك ولكن في خصوص سياسة داخلية البلاد التي درسها من قديم على عتبة القصر، أما المدينة الجديدة والتطور العصري فلم يكن نضج في فكره، ولما ورد عليه بعض المتعلمين من تلك البعثات وقد أتموا دروسهم، لم يجعل لهم قيمة ولم يقدر لهم قدرا وألقاهم في زوايا الإهمال فضاعفت معارفهم وخسرت صفقة المغرب، وقد عرفت كثيرا منهم يستعين على معاشه ببعض الحرف ولله الأمر من قبل ومن بعد.

الحالة التجارية والفلاحية في عهد المولى اسماعيل

يفضل التدابير التي اتخذها المولى اسماعيل لبث الأمن في المغرب، أفرغ أهله ذرعهم للفلاحة وتربية الماشية والاتجار، فكثرت تربية المواشي وتربية الخيل وعم المغرب الخصب والرفاهية، ولما وفد عليه آيت يدراسن من برابرة جبال فازازا، شرط لتأمينهم دفع السلاح والكراع والاشتغال بالحرث والنتاج، ودفع لهم عشرين ألفا من رؤوس الغنم لرعايتها، فكانوا يدفعون له كل عام صوفها وزبدها ويزيدهم إلى أن بلغت ستين ألفا. وقد غرس بجنان حمريه مائة ألف قعده من الزيتون، وقد كان بالبستان المجاور لإسطبل الخيل من أنواع الفواكه كل غريب، ومعلوم أن اتساع مغل الزراعة والحيوان وما ينتجه من الصوف والزبد والاهاب مما يحرك أسواق المدن ويقع به التبادل مع ما عند أهلها من مصنوعاتهم، زيادة على كون أمر الفلح يتوقف على عدة صناعات لا توجد التجارة والصناعة في عهده إلى ما كان يروج في قصره من أعمال الفنانين فكان بذلك كمدرسة للصناعات والفنون، ومن آرائه الرشيدة اتخاذ خزين للحبوب (الدكسيلوس) الذي تتخذه الدول الأوربية لهذا العهد، أنشأه بمكناسة الزيتون لما امتازت به من سلامة المخزون، اتخذه للمسقية إن كانت، وللحصار أيضا إن كان، بدليل نصب المدافع هنالك ويظهر أن إنشاء البركة العظيمة ثمة كان لغرض النزهة والاحتياط للحصار أيضا، كما احتاط بغدارة السور على الراضي الفلاحية أيضا بعاصمته، بحيث لو حوصرت لكان عنده قوته من طعام وشراب وأراضي الفلاحة التي تنتج ما يتوقف عليه وإن طال أمد الحصار.

أما حالة التجارة الخارجية فقد كان بايالته عدة مراس مفتوحة للتجارة وبها بيوت أموال، وقد كان ولي على بيوت الأموال المتحصلة من مراسي العدوتين وآسفي الحاج محمد بن ابراهيم معنينو (العائلة المشهورة بسلا) وقد ذكر في الاستقصا أن من الأسباب التي حملت المولى محمد بن عبد الله على تأسيس مرسى الصويرة، أن يكون بمثابة لوسق السلع حتى لا يتشوف الواردان على مرسى أكادير التي قد تكون أحيانا في يد الثوار، ولكونها وسط الإيالة، وأسقط عن تجار النصارى الذين جلبهم إليها معلوم الجمرك ترغيبا في عمرانها ونفاق أسواقها، واستمر ذلك الترخيص مدة ثم ألحقها بغيرها من الثغور في الأداء، كما أغلق مرسى أنفا (الدار البيضاء) ورد تجار النصارى الذين كانوا بها إلى الرباط، إلا أنه يظهر أن حالة التجارة الخارجية في العهد الاسماعيلي لم تكن في المستوى المناسب لقطر يتدفق على شاطئه بحران، وسبب ذلك ما كان يصدر من جيران المغرب من محاولة احتلاله المر الذي يحمل ملوك المغرب على مناصبتهم القتال، ولذلك لما عرض الانكليز على المولى اسماعيل عقد الصلح، وعقد مجلسا للنظر في طلبه، ارتأى قائد الثغور إجابته لذلك لما فيه من تسهيل الإبعاد في الغزو والبحر، وتيسير أمر التجارة العائدة على البلاد بالثورة، لولا أن قاضيه عارض في ذلك زيادة على عدم ثقته بعهود الإسبان لما سلف من غدر أسلافهم بأهل غرناطة وغيرهم كما يعلم من رسالته على ملك الإسبان، وسمعت من ذوي السن من بلدنا الرباط أن أمر التجارة البحرية إنما استفحل أيام المولى عبد الرحمان وانه هو الذي فتح البحر للتجارة، ويظهر أن ذلك من نتائج أعراضه عن الغزو في البحر والقرصنة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٦٧