الشريفة في البحر وامتطى صهوة الأمواج، وكان أرصد لهذا العمل قسما من الخزينة المالية (6)، وحصن ثغورا المغرب وشحنها بالآلات الحربية، وشيد الأبراج وأسس مرسى الصويرة ليتأتى الخروج بالأساطيل منها في جميع فصول السنة، لأن مراسي العدوتين والعرائش كانت المياه ترسب في أفواهها وتضعف جرية الماء أيام الصيف بها ويتعذر خروج القراصين، وقد استعان على عمله هذا بمهرة العارفين بصناعة الآلات الحربية والمهاريس والكور والبنت (القنابل الثقيلة) والمراكب القرصانية والمعلمين الذين بعثهم إليه السلطان مصطفى العثماني، كما استعان على ذلك بأهل رباط الفتح، فقد قص الضعيف في تاريخه، حديث عزمه على إجلاء أهل الرباط إلى الصويرة لما كان وقع منهم مع أخيه المولى أحمد -وكان خليفة عليهم- فأخرجوه من القصبة تحت ظل سيوفهم، وكان استفتى العلماء في شأن إخراجهم من الرباط فأجابه غير واحد بالمنع (انظر ج9 من المعيار الجديد)، ولكن رأى انه إن أخرجهم لم يجد من يقوم مقامهم في البحر لكونهم من عناصر أندلسية مدربة على الجهاد وركوب أعواد البحر، وقد ذكر في الاستقصا أنه لما قدم إلى العدوتين أمرهما بإنشاء سفينتين. كما أن تجار آسفي من الأوربيين كانوا يتنافسون في شراء ما يحتاج إليه من إقامة المراكب يتزلفون إليه بذلك، وكذلك كان دول أوربا يبادرون إلى امتثال أمره (7) في شان ذلك، وقد هيأ له ذلك تحسين العلاقات مع الدول المجاورة له غيرها، فجدد عقد الصلح مع الفرنسيين وعقد الصلح مع البرتغال والأسبان ومع السويد والدا نمارك (8)، وكانت له صلة محكمة مع آل عثمان السادة الغطا ريف، ومع بلاد مصر والحجاز وغيرهم، بما كان يفك من أسراهم وما كان يفيضه على إشرافهم وعلمائهم من العطايا، وأخذ أمر القرصنة يضعف بعد وفاته، فقد ذكر منويل في حصار المولى اليزيد لسبتة أن عدة قراصين المسلمين الحربية كانت يومئذ ستة عشر قرصانا وبها من المدافع 306، وإن كان الناصري في الاستقصا (137) قد انتقده ورأى أن عدد القراصين كان أكثر، وبقيت القراصين تجول في البحار أيام المولى سليمان كما بالضعيف، وقد ورد عليه كتاب من بعض الرؤساء السلويين المجاهدين بغنيمة مركبين، وصادف الحال قراءته للتفسير ووقوفه فيه على قوله سبحانه في الأنفال (واعلموا) فسره ذلك وإذن للشعراء في القول في ذلك، وممن قال في ذلك علامة القطر الإفريقي أبو إسحاق الرياحي الذي صادفه الحال هناك، وقد أورد ذلك الجر يري في شرح قافية ابن الونان، ثم قص حديث غرق مركب بحري من مراكبه الكبار التي أعدها للغزو وكان فيه عسكر السلويين، ورفع النبأ إليه وأن ذلك من تفريط بحريته فأمر بسجنهم بالمهدية وألزمهم أداء عشرة آلاف ريال، فتوجه إليه أعيان المجاهدين من سلا والشرفاء والفقهاء والمرابطون والفضلاء وهو بفاس في شان الشفاعة في أولئك البحرية وكان فيهم الجريري فعفا عنهم. ثم إنه في سنة 1233 أعرض عن الجهاد في البحر وفرق بعض قراصينه على الايالات المجاورة له كالجزائر وطرابلس وما بقي أنزل منه مدافعه ولما كانت أيام المولى عبد الرحمان أراد إحياء سنة الجهاد في البحر وأمر بإنشاء الأساطيل وضمها إلى ما بقي من آثار جده سيدي محمد رحمه الله، فلم يتم له ف يذلك أمر لاختلال أمر التوازن البحري إذ ذاك، وإن كان قد غنم بعض رؤسائه من الرباط مركبا نمسويا تحدث على ما فيه مفصلا في تاريخ مكناس ص 135 ج5 ولكن أعقبه من المشاكل ما أوجب تنازل المغرب عن القوة البحرية واضطر السلطان للاقتصار على التحصين ولذلك أنشأ البستيون بسلا (9) وبني أشبار الكبير بالرباط (10) ولاسيما لما وقع احتلال الجزائر، وكان يحض على تعليم علم الطوبجية (11)، فانظر الكلام على وقعة اسلي، ورمى الافرنسيين لطنجة والصويرة بالقنابل، والمركب التجاري الذي ارتطم بسلا. ومما كان يجري بالرباط أن عامل المدينة كان يخرج بعد صلاة العصر من كل يوم جمعة بهيئته الرسمية إلى خارج المدينة عند المصلى القديم قرب ضريح سيدي السعيدي ومعه باش الطوبجية، لإجراء تمرينات على الرماية بالمهراس أمامه عادة مقررة.
وكان به من شيوخ الرماة عشرة أو أحد عشر، ولكل واحد عدة تلاميذ يدربهم على الرماية ويأمرهم
(6) ذكر ذلك الجريري
(7) انظر رحلة الغزالي
(8) انظر ص 105 ج4 من الاستقصا انعقاد بين السلطان سيدي محمد وبين الدانمارك والسويد وما كانوا يؤدون إليه من الأموال والمدافع.
(9) الاستقصا ص 254 ج4.
(10) الاستقصا ص 210 ج4.
(11) الاستقصا ص 206 ج4.