تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذكر في الاستقصا عن المؤرخ منويل (أن لويس الرابع عشر كان أعان المولى اسماعيل على فتح العرائش بخمس فراقط حاصرها بها بحرا)، وما كان من أهل العدوتين إذ ذاك إنما هو صبابة مما بقي من عوائد الأندلس، وقد ذكر ابن خلدون مبحث قيادة الأساطيل في أسباب تراجع قوة المسلمين في الأساطيل لعهد الدولة الموحدية: (إن ذلك من ضعف الدولة ونسيان عوائد البحر بكثرة العوائد البدوية بالمغرب وانقطاع العوائد الأندلسية). فإن تساءل بعض الناس: كيف لم يقم بطرد الاسبانيين من سبتة والبرتغاليين من البريجة، فالجواب أنه قد بذل الجهود الجبارة في إجلاء الاسبانيين عن سبتة، ولكن حصانتها حالت دون ذلك، فاكتفى بالمرابطة عليها بل أدى الحال إلى اتهامه الغزاة بالتقصير في فتحها حذرا من أن يساقوا إذا أتموا فتحها إلى البريجة ويبعدوا بذلك عن ديارهم، وفي وصيته التي كتبها يوم اشتد به المرض:

(واتركوا الجيش مقابلا لسبتة فإن فيه إرهاب الكافرين) أما البريجة فقد كانت أيضا من المناعة بمكان، مع إرسال البحر حواليها في حدود عميقة ترسى بها السفن، إلا ما كان من جهة واحدة تنصب عليها قنطرة للعبور نهارا ثم ترفع بآلة فتستحيل بابا لذلك الحصن، زيادة على شحنها بالعدة والكماة المجربة والاحتياط للحصار بادخار الماء بالماجل الذي لا يزال ماثل العين لحد الآن، حتى تهيأت الأسباب أيام حفيده المولى محمد، فحاصرها وألح عليها بالقنابل الضخمة حتى اضطر أهلها للجلاء.

كما يلوح لنا أن المولى اسماعيل كان -لثقته بجيشه العتيد وسلاحه الموفور- لا يتوقع أي هجوم على بلاده، وكذلك لم نسمع بحادث من هذا الشكل على طول أيام ملكه وكلهم يعلم أن من يسقط على بلاده يقع في لهوات الأسد، وقد أرهبهم بجلاء الانكليز عن طنجة والأسبان عن العرش وأصيلا والمعمورة، زيادة على عدد الأسرى التي كانت تعج بها سجونه بمكناس (2) وفيهم الرخامون والنقاشون والنجارون والحدادون بله المنجمين والمهندسين والأطباء، وكانت عدتهم تنيف على الخمسة والعشرين ألفا، ولم تسمح نفسه بفداء أسير منهم بالمال، وكان عدد الأسرى الذين أخذ من العرائش وحدها نحو ثلاثة آلاف، فدي بمائة من عظمائهم ألف أسير من المسلمين (3)، ثم استقر هؤلاء الأسرى أخيرا بالحاجب وأكراي قرب مكناس، واندغموا في المغاربة وذابوا فيهم.

وفي عام 65 أيام المولى عبد الله، ورد سفير الإسبان عليه بمائة ألف ريال هدية، وتحف من الملف والحرير والكتان، فعلق الأمر على فكاك أسرى المسلمين الذين عندهم من غير مال فكان كما أراد.

على أن القراصين بسلا في عهد المولى اسماعيل كانت تعمل عملها. فمن رسالة من ملك فرنسا لوزير الرابع عشر في بدل الأسرى بالأسرى من الطرفين (أي الكل مما أسرته المراكب البحرية بسلا) (4).

ولما كان عامل الثغور عمار بن حدو البطؤي بالمعمورة، أخذ مركب للافرنسيين بعض مراكبه فأخذ آخر في مقابلته ووجه أسراه إلى الحضرة الإسماعلية ثم انتهى الأمر بفداء الأسرى بالأسرى. وذلك مما يؤذن بنفاق أمر الأسطول البحري، وقد قص الاستقصا (5) نبأ وقوع المولى المستضيء على الخزائن الاسماعيلية التي وجد بها شيئا كثيرا من ملح البارود والشب والبغام وغير ذلك مما كان يجلب إلى الحضرة من غنائم أجناس الإفرنج، فباع ذلك كله وذلك مما يبرهن على ما قلنا، وكذلك في كتاب الأسير مويط ما يدل على أنه كان له حرس بحري يترصد من يدنو من جوار إيالته من الأوربيين، فقد ذكر أنه كان يرد على المولى اسماعيل من بلاد النصارى -الذين كانوا يعتنقون الإسلام والذين يطلبون خدمته بملء بطونهم مع بقائهم على دينهم- أكثر مما تأسره عسس السلطان البحرية، وذلك لما يلحقهم من ظلم كبرائهم والإجحاف بهم) إنما الأمر الذي لا شك فيه أن أمر الاستعداد البحري ونشاط القرصنة إنما تم في زمن حفيده المولى محمد، فقد كان مغرما بذلك وكانت مراكب الجهاد تجوس خلال البحار فتأتي بالغنائم والأسرى، وبذلك تغلغل نفوذ هذه الدولة

(2) انظر تاريخ الزياني والاستقصا

(3) الجريري شارح الشمقمقية

(4) انظر تاريخ الكونت دي كامشري ج 1 ص434 -

(5) ص 69 -

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٦٥