حالهم من الصرامة وصعوبة المراس، زد على ذلك دولة الشبان أخوال السعديين القائمين بمراكش، إلى أن أظلتهم سيوف المولى الرشيد فمحت دولتهم ونسخت دعوتهم، أضف إلى ذلك قيام أبي عبد الله الدريدي الهلالي بفاس الجديد وتسمية أميرا، إلى أن اقتحمه عليه المولى الرشيد وكان له مبيدا، وهكذا كان المغرب طرائق قدودا إلى ما كان فيه من العراك المستمر تارة بين تلك الطوائف، وآونة لقمع الثوار، وأخرى لإخضاع المخالف، وما سكنت تلك الهيجة إلا باستقرار العرش العلوي الشريف، وزادت قواعده استحكاما ف يعهد أبي النصر المولى إسماعيل، ذلك الهمام المحنك الذي مكن للدولة في أحشاء القبائل وشناخيب الجبال التي كانت تعتبر بحق منابع الفتنة ومنافذ براكين الثورة.
أدرك أبو النصر أن المغرب لكثرة عصائبه قل أن تستحكم فيه دولة، شأن الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب لاختلاف المنازع والأهواء، حسبما قرر ذلك الداهية ابن خلدون، أدرك ذلك حقا لذكائه ونكرائه ولأنه ممن صاول تلك العصائب، وعجم عودها أيام خلافته عن أخيه الرشيد، وكان مرمى أنظاره تأسيس ملك راسخ الأطواد رفيع العماد.
ومن جراء ذلك رسم لدولته خطة ذات قواعد متمكنة، منها أن لا يستنصر بالقبائل التي قد تثاقل عنه في وقت الحاجة أو تجر عليه الهزيمة أو تتسلل عنه في إحراج المواقف، كما وقع له في وقعة وادي مثلف. ومنها أن ينشئ جيشا مرابطا ببابه، يكون نتيجة تربيته، وعليه يرتكز نفوذه، وهو ما تم له في جيش عبيد البخاري في إنشائه أولا واعتبار قصره مدرسة لتربية أولادهم وتدريبهم، وهو جيشه النظامي المسجل. ومنها تجريد القبائل من السلاح والكراع حتى لا يطمح منهم إلى الثورة طامح، وكان هو أول ما يفعل إذا أخضع قبيلة من القبائل ولم يرخص في حمل السلاح إلا لجيش مخصوص، منه الجيش المرابط على ثغر سبتة.
ومنها إنشاء شبكة من الحصون والقلاع في أنحاء المغرب من أقصاه إلى أقصاه، ولاسيما في أحشاء القبائل وثغرة نحورها، وقد شحن تلك الحصون بعدد من عبيد البخاري يرأسهم قائد منهم تلقى على كاهله مهمة حفظ المن بمنطقته، ومئوية هذا الجيش المرابط من أعشار القبيلة التي ينزلها، ويعرف هذا النظام عند الفتيين بإنشاء العصابات المحافظة، وكان قد فعله شارل مارتل في جبال البرينات. ومنها تكليف القبائل بمعرفة كل من يمر بترابهم أو تثقيفه حتى يعرف، وهو من المهمات التي تقوم بها مصلحة حفظ الأمن عندما يقتضيه الحال، وبذلك استنزال البربر من صياصيهم، وألقى إليه المغرب الجران وتمددت فيه أطناب الأمن وإفراغ أهله ذرعهم للفلاحة وتربية المواشي والاتجار فعمهم الخصب والرفاهية. س
حالة الاستعداد البحري والغزو على الأساطيل (القرصنة) في عهد المولى اسماعيل
لقد انتقد اليوسي في رسالته الشهيرة على المولى اسماعيل أعماله لعمارة الثغور وإقامة مراسم الجهاد، ولكن يظهر أن المولى اسماعيل كان مهتما بتمكين الأمن في داخلية البلاد قبل كل شيء، لما كانت عليه الحال قبل من الفرقة والتحالف وكثرة التنطع والوثوب، لا يغفل عن ذلك لحظة لأن بادية المغرب لا يستقر لهم أمر، وقد رد على اليوسي السلطان المولى عبد الحفيظ في تاريخ المغرب (1) ردا مرا وقد قال الأسير مويط عن هذا الملك:
(كان صعبا على من عصاه، ولا عجب في ذلك لأن عادة الأعراب تشوفهم دائما لنزع السلطان وتولية غيره، ولهذا كان المولى اسماعيل شديدا عليهم، وبهذا ثبت ملكه، ولم يسترح مدة ملكه من مواصلة الحركات والغزو ستة أشهر موالية (فلهذا السبب لم يتفرغ لدرس الشؤون البحرية ويهتم بالبحث عن العارفين بأمر البحر على قدر ما كان مهتما بداخلية البلاد، يدل على ذلك ما جاء في كتابه إلى جيمس ملك الانكليز -وهو يومئذ بفرنسا لنزاع جرى بينه وبين شعبه- ما صورته: (ووالله لولا أننا أناس عرب لا معرفة لنا بالبحر، أو كان عندنا من يحسن معرفته أو نستوثق به في الجيش ونطلقه في يده، حتى نكاتب الانكليز ونبعث لك ممن الجيش ما تدخل به عليهم وتتولى به ملكك).
(1) يوجد هذا التاريخ بخزانة المرحوم المولى عبد الرحمن بن زيدان، وهو كمذكرة له جمعها.