ما بعد الموحدين كانت -وما زالت- في حاجة إلى بعث الشعور بالإلوهية أكثر من حاجتها إلى التدليل عليها، وعلم الكلام يعجز عن بعث ذلك الشعور في الضمير. وقد شاهدت في الواقع بعض الجماعات الإسلامية تقوم على أساس التدليل على الإلوهية بطريق علمي وفلسفي،
غير أن الضمائر والنفوس تظل جافة لأنها محرومة من الشعور بالإلوهية ذلك الفيض النوراني الذي يعجز الفكر وحده عن مد النفس به!! ولذلك كان لابد من علم جديد يوصل للنفس هذا الشعور ويسميه الأستاذ تحديد الميثاق. وذلك كل من موسى والمسيح ومحمد لم يكونوا علماء كلام يصغون النظريات المجردة بل كانوا مصدرا لهذه الطاقة الأخلاقية التي كانوا يمدون بها النفوس الساذجة (38) والدعوة إلى إعادة تنظيم علم الكلام دعوة انفصالية عن حقيقة الحركة السلفية لأن المؤمن في تلك الدعوة «يتعلم» وجود الله ولا يتعلم العودة إلى السلف.
إذن فحركة الإصلاح لم تصادف النجاح المرجو للسببين السالفين.
1) لأنها ظنت أن السياسة أو إصلاح الحكم هو الخلاص للعالم الإسلامي، وإن في النظام البرلماني يمكن سر الدواء. وقد كان يتزعم هذا الرأي جمال الدين الأفغاني.
2) وإنها اتخذت علم الكلام -على يد الشيخ محمد عبده- أساس الإصلاح.
ويضيف الأستاذ أسبابا أخرى لانحراف الإصلاح ولعدم فعاليته وإنتاجه الإنتاج الذي ينقد العالم الإسلامي من أمراضه، فمن تلك الأسباب.
3) ما يسميه (جب) «بالإجبار» أو الضغط على عادة الإصلاح من جانب أعداء الإسلام. فقد تعرض الإسلام لهجومات عنيفة من طرف خصومه، وكانت عامة، ومركزة، وعلمية متخذة وسائل جبارة للنيل منه والحط من سمعته، وإحداث ذلك رد فعل في جانب رواد الإصلاح وكان لمدح الإسلام نصيب وافر في هذا «الرد» وهكذا تبدو لنا كتابات الشيخ محمد عبده الكلامية عبارة عن مديح للإسلام دفع إليه الضغط الأوروبي .. وما زلنا نرى اليوم هذه الظاهرة في معظم كتابات علماء الإسلام في مؤلفاتهم وعلى صفحات المجلات (!!!) وفي محاضراتهم وخطبهم.
4) النزعة الذرية .. أي النظر إلى المشاكل نظرة جزئية دون أن يكون بينها أي رابط، ودون أن يجمعها أساس واحد، وبذلك تتكاثر المشاكل وتتعقد، في حين لو نظرنا إلى المشاكل على أنها ذات وفرة متصلة لسهل علينا وصف الداء ووصف الدواء وإلا فإننا سنضع للجمهور معالجات جزئية: فالفقر والتفرقة والمرض والدجل والخيانة والسياسة المريضة والعقم الاجتماعي والأدبي والبطالة إلى آخر قائمة أمراضنا التي لا أظن أن لها نهاية كل أولئك مشاكل ذات أصل واحد وهو مشكلة الحضارة التي إن حلت فإن تلك الظواهر تختفي حينا.
5) ومن تلك الأسباب: نزعة .. المجادلة ولقد حافظ المصلحون بعد محمد عبده كل المحافظة على الأوضاع السائدة فاستمرت المجادلة مدة طويلة في المناقشات الأدبية .. ولم يكن الأدباء يبحثون عن الحقائق بل عن الحجج ولم يكونوا يستمعون لمعارضيهم بل كانوا يمطرونهم بسيل من الألفاظ (43) وهذا المرض ما يزال مستشريا في الطبقة المثقفة عندنا. فالهدف في أية مناقشة هو الغلبة بأي أسلوب من الأساليب ولو على حساب الحق، ولقد شاهدت اجتماعات ومناقشات في الشرق والمغرب فكنت أرى -غالبا ثانوية الحق والبحث عن الحجج والأدلة للقضاء على الخصم لنصرة مذهب معين. كما أن نزعة حب الكلام والهدر ما زالت تحتل مكانا مرموقا في حياتنا الثقافية، وما زال حب الإنصات والاستفادة منزويا عن هذه الحياة، وأذكر هنا أن شخصية عالمة كانت تنام بل تغرق في النوم عندما يكون المتحدث غيرها فما أن يأتي دورها في الكلام حتى نرى عنفوان اليقظة والانتباه والحماسة!! والغريب إن أصحاب هذه النزعة لا يتفطنون إلى أنهم لا يعالجون وإنما هم يرضون عقدهم النفسية فقط!
ويعو د الأستاذ مالك لنزعة المديح -تلك التي أصبحت فينا إلى اليوم وإزاء مختلف تكتلاتنا وأفكارنا- فيقول: وهناك سبب آخر لعدم الفعالية التي طبعت بها نزعة المديح العمل الفكري، حتى إذا ما اتجه المديح نحو الماضي اتخذت الثقافة طابع علم الآثار، واتجه الجهد الفكري إلى الوراء بدلا من اندفاعه إلى الأمام ومن شأن هذه النزعة التقهقرية المغالية أن تجعل التعليم يتجه إلى الماضي اتجاها لا يتفق وضرورات الحضر والمستقبل (44).