شخصية استعمارية، وإن كانت للسر رسالة فإن للاستعمار رسالة إيقاظ الشعوب المستسلمة للنوم والركود، فعلى الرغم من شرور الاستعمار واحتقاره الشعوب المستعمرة «فإنه أنقذ العالم الإسلامي من الفوضى التي كان يتخبط فيها هذا المجتمع لإيمانه بالقوى الغيبية وإحلاله لخيالاته الشخصية محل الروح ... وكان دور الأوروبي أشبه بدور الديناميت الذي يتفجر (ويفجر) في مكان استسلم للصمت والتأمل (32)
وعندما داهم الاستعمار إنسان ما بعد الموحدين الذي تحللت عناصر حضارته وبقي أكداسا من البشر والأشياء لا تربط بينها رابطة، عند ذلك استيقظ هذا الإنسان وراح يتلمس لنفسه البقاء على وضع يحفظ له بعض كرامته، وأقل ما يمكن من الحياة في نظام اجتماعي. وتولد عن هذا حركتان:
1) حركة الإصلاح التي تغذت بلبان ابن تيمية.
2) النزعة الحديثة.
وقد كان جمال الدين الأفغاني رائد الحركة الأولى -كما يلاحظ أستاذنا- يجمع على جانب ميزته كإنسان طبيعي ثقافة فريدة، وقد كان لحادثة (سيبايس) المذبحة المشهورة التي ذهب ضحيتها عدد كبير من المسلمين على يد الهندوس -كان لهذه الحادثة أثر شديد في نفس جمال الدين، فثار ضميره وقام يدعو لتجديد العالم الإسلامي، ويقاوم كل حركة ترمي للنيل من الإسلام كالحركة الطبيعية التي قامت بالهند وألف في ذلك كتابه الرد على الدهريين غير أن جمال الدين بدلا من أن يتجه لإصلاح إنسان ما بعد الموحدين مباشرة اتجه لإصلاح السياسة والحكم، مرتبا عدم صحة القول المشهور: كيفما تكونوا يول عليكم، وكان يرى العكس هو الصحيح ولا سبيل إلى ذلك إلا الإصلاح السياسي وجهاز الحكم، فذلك وحده الكفيل بحل المشكلة. وهكذا فإن جمال الدين بالرغم من انه كان رائد حركة الإصلاح وبطل الملحمة الحديثة الأسطوري فإنه لم يكن هو نفسه مصلحا بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة (36) ولعل هذا الحكم الذي يصدره أستاذنا مالك خطير وفريد غير أن الأستاذ مالك مغرم بتحديد معنى الألفاظ والمصطلحات وبعاملها معاملة صارمة حتى يتجنب كل تورط فني قد يؤدي إلى اختلال المقاييس كما نرى عند الكثيرين. ويعلل الأستاذ مالك حكمه ذلك بالتركيب النفسي لجمال الدين ومهما كان الأمر فإن دور جمال الدين لم يكن دور مفكر يتعمق المشاكل البحث عن حلول لها، وذلك لأن مزاجه العنيف لم يكن يسمح له بذلك (35)، ومن يتبع سلوك جمال الدين يتبين حقيقة قول أستاذنا مالك، فالمزاج العنيف لم يكن ليترك له الفرصة للتفكير الطويل من أجل إيجاد حل نهائي لأمراض العالم الإسلامي، وللأحداث المؤلمة المعاصرة لجمال الدين أثر في نفسية الرجل وفي قلقه ودفعه نحو القول بالقضاء على الحكم العثماني الظالم في صورته البشعة آن ذاك. ذلك النظام الذي كان يخنق كل حركة إصلاحية وكان غارقا في الرجعية إلى أعمق ما يكون الغرق. وقد تبين أن تغيير صور الحكم في العالم الإسلامي لم ينقذه من القابلية للاستعمار وإن كان أتاح له الفرصة لإصلاح نفسه في جو من الحرية نسبيا.
ومع ذلك فإن جمال الدين العظيم يحتفظ في التاريخ الإسلامي الحديث بصفة الموقظ للعالم الإسلامي والمصدر لحركاته السياسية والدينية والاجتماعية وإن كانت بعض تلك الحركات قد انحرفت إلى أعوج طريق، وما إفلاس نهضة العالم الإسلامي وعدم نضجها إلا نتيجة لانحراف بعض تلك الحركات وسطحيتها وها نحن نشاهد مآل الحركة السلفية بالمغرب، فقد اختفت مظاهر الدعوة السلفية بل لم نعد نسمع حتى باسم السلفية!!
وإذا كان جمال الدين ذا مزاج حاد فإن تلميذه الفلاح محمد عبده كان شديد الإحساس بالحقائق الاجتماعية (36) وكان على خلاف أستاذه يرى أن الإصلاح يجب أن يبدأ من الفرد .. من النفس حيث تكمن المشكلة، ويلتمس ذلك المبدأ من قوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم غير أن موقفه من هذه الآية كان موقف «مؤمن» حسب تعبير الأستاذ مالك أي أنه ظن إصلاح الفرد يجب أن يكون على أساس إصلاح علم الكلام ليصحح عقيدته غير أن علم الكلام هذا سيكون مصيبة على حركة الإصلاح فينحرف بها رويدا رويدا ليقلل من قيمة بعض مبادئها الرئيسية كالقول بالنزعة السلفية والعودة إلى روح الإسلام الأول، وذلك لأن علم الكلام لا يتعرض لمشكلة النفس إلا في ميدان العقيدة، ولم يتخل المسلم -حتى مسلم ما بعد الموحدين عن عقيدته بل ظل مؤمنا أو على الأصح «تقيا» وقد أصبحت عقيدته غير مجدية لأنها فقدت إشعاعها الاجتماعي وأمست ذاتية فهي عقيدة فرد قد انفصل عن بيئته الاجتماعية (37).
فالمشكلة إذن ليست في إعادة العقيدة ولكن في إعادة الإشعاع والفعالية لهذه العقيدة، فنفس إنسان