6) ومن الأسباب التي أراها معرقلة للإصلاح:
العقد النفسية التي تتحكم في أصحابه، تلك العقد التي لا تدع مجالا للبحث في المشكلات الإسلامية بحثا موضوعيا. وقد أتيح لي أن أحضر اجتماعا في عاصمة عربية لجماعة تريد المحافظة على القرآن الكريم فلم تثر مشكلة المحافظة على القرآن وغنما أنيرت أحقاد جاهلية قديمة وانتهت الجلسة بالاعتذارات وتقبيل الرؤوس على أمل الاجتماع فيما بعد (!!) وإني لألمس في كثير من اجتماعاتنا مظاهر تلك العقد التي تسبغ الذاتية على كل مشكلة قومية!!
7) ومن تلك الأسباب: ذلك العبث الجدي الذي يبدو في دراسات فنية هزيلة في المشكلات الإسلامية، وسبب هزالها انه يتصدى لمعالجتها أناس غير اختصاصيين فيخرجون دراسات ذات موضوعات قيمة ولكنها -أي المعالجة- ضعيفة لا تعطي المبرر الفني لنظرة الإسلام، من ذلك ما نرى من بعض علماء الأزهر الشريف يتصدون لمعالجة الاقتصاد الإسلامي ويقارنون بين الإسلام والاشتراكية معتمدين في كتابتهم على كتب بسيطة ومعلومات أولية سطحية، وهذا ناشئ أيضا عن عقد نفسية في فقهاء الأجلاء مع احترامنا لهم (4).
ومن أسباب عدم الفعالية لحركة الإصلاح نزعتها إلى «الكر» فالقيمة للشيء تكمن في كميته لا في كيفيته فالكتاب ذو الصفحات العديدة هو الذي يحتل من إعجابنا المكان الأول، (5) ومن هنا نشأ غرورنا بالجماهير الغفيرة، مع عدم اعتمادنا على الكيف، وقد عرفت شخصية إسلامية واحدة في لبنان تهتم بالكيف تلك هي الأستاذ أبو عمر الداعوق المصلح الإسلامي ورائد جماعة عباد الرحمان فقد صرح لي بأنه لا يجب في حركته الكثرة وإنما يهتم بتربية أفراد قلائل يكونون ركائز الدعوة الصامدة!!
نستخلص من ذلك أن الحركة الإصلاحية لم تعرف السبيل إلى تغيير النفس الإسلامية كما لم تعرف تطبيق فكرة وظيفة ... الدين الاجتماعية ولكنها استطاعت أن تنجح في القضاء على التوازن الثابت في مجتمع ما بعد الموحدين، وذلك بالإثارة المأساة الإسلامية القديمة في ضمير الأمة الإسلامية من الناحية الفكرية (46) ومازالت هذه المأساة تقض مضجع كثير من الشباب الإسلامي وتدفعهم للبحث عن سبيل لإنهاء هذه المأساة ولاستنشاق حياة إسلامية متحضرة وقد وجدت هذه الشبيبة متنفسا في بعض الجماعات الإسلامية غير أن القلق ما زال يساورها وقد لاحظت ذلك الشعور بالمأساة وذلك القلق في الإقبال الشديد على أستاذنا مالك بن نبي في القاهرة من جانب الشباب العالم الإسلامي.
ويرى الأستاذ مالك أن كل بناء جديد للحضارة الإسلامية يجب أن يقوم على العقيدة الصرفة وعلى العودة إلى الإسلام، وتطهير القرآن من الحواشي الكلامية والتشريعية والفلسفية (97) وهذا هو الطريق الذي سلكه حسن البنا الذي كان يستخدم القرآن في نفس الظروف النفسية التي استخدمه فيها سابقا النبي وأصحابه، فحسن البنا كان يؤثر في سامعيه لأنه كان لا يفسر القرآن بل كان يوحيه إلى الضمائر والنفوس كإشعاع فياض يأتي من السماء مباشرة لهداية ومصدرا للقوة يوحد بين الناس (140).
ولكن هل الحركة الحديثة تريد أن تنهج بالعالم الإسلامي هذا المنهج، إنها تريد أن تقوده في طريق آخر غير طريق الإسلام كما حدث في تركيا على يد الحركة الأتاتوركية الكمالية.
وكان بودنا أن نتبع كتاب مالك هذا بالتحليل لولا خوف الإطالة، ولذلك فإننا نكتفي بالإشارة -اليوم إلى الخطوط الرئيسية التي يتناولها بقية الكتاب ..
وهي في الحقيقة تحتاج إلى تحليل ونقد لأنها تشتمل على كثير من الأفكار الرائعة الدقيقة حول حياتنا الحاضرة.
فقد تكلم عن الحركة الحديثة التي تجسدت في السياسيين وإبان عن سبب فشلها في تحليل دقيق كما تكلم عن العوامل الخارجية المسؤولة عن فشل الإصلاح في العالم الإسلامي وتناول حركة الإخوان المسلمين تناولا رائعا وأبدى ملاحظات قيمة نحوها وأبان عن عبقرية الإمام حسن البنا في السبيل الإصلاحي الذي سلكه.
والأستاذ متفائل في الأخير بأن الفكرة الإسلامية خالدة وهي الآن تشق طريقها نحو إنشاء مجتمع متحضر.