تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لأوروبا هي محاولة رجعية جاهلة معكوسة تتسم بكثير من السطحية وحب السهولة والسير!! ومن شأن ذلك تعقيد المشكلة والتضليل عن العثور على حقيقة الداء وحقيقة الدواء.

ونقوم المدنية على فضائل رائعة وقيم إنسانية كريمة غير أن تلك القيم تنقلب أوزانها في عصور الانحطاط لتحل محلها الترهات التافهة وحينما فقدت الروح كان السقوط والانحطاط، ذلك لأن كل من يفقد قوته التصاعدية لابد له من الانحدار بتأثير ثقله الذي لا يقاوم ... ويفقد العلم قيمته وكذلك الفن، ويزاول العقل لأن آثاره تموت في مجتمع لا يستطيع فهم هذه الآثار أو استخدامها (16)

وتلفظ المدينة أنفاسها بتفسخ عناصرها الأساسية: الإنسان، التراب، والوقت وتنعدم الرابطة الخلاقة بين هذه العناصر لخمود الروح، وتصير تلك العناصر معطيات جامدة مجردة من كل قيمة!!

وإن الفرد في هذه المرحلة المنحطة يعيش في مجتمع منحل لا يمده في وجوده لا بالقاعدة الروحية ولا بالقاعدة المادية فيرتمي حينئذ في أحضان نزعة المرابطين (التصوف الكاذب) أو أي نزعة يفنى فيها. وليست هذه النزعات سوى صورة ذاتية لحالة الانهيار الاجتماعي (18).

وهذا الإنسان الذي يتلقى ميراث الانحطاط من أجياله السالفة هو مركز المشكلة، ويجب أن نبحث هذه المشكلة في نطاق هذا الإنسان، أي إنسان ما بعد الموحدين، وأي محاولة للبحث في المشكلة خارجة، إنما هي محاولة عابثة تستهدف الفشل من أول الأمر. وقد يبدو البعض من هذا الإنسان انه لا يتقاسم الانحطاط ولم يرث عن أسلافه الجفاف الروحي، والتقهقر النفسي والعقلي، قد يبدو كذلك بما لديه من ملايين أو بما يحمل من شهادات!! ولكن إذا نحن سيرنا غور عاداته وعواطفه وأفكاره تبين لنا بسهولة أنه ليس سوى إنسان ما بعد الموحدين أي الإنسان المنحط. فإنسان ما بعد الموحدين كيفما كان قدره ومركزه يحمل في ذاته المشكلة الإسلامية!! فيجب علينا أن لا ننسى هذا العنصر لاسيما في دراستنا لنشأة المشاكل التي تشغل أكثر فأكثر الضمير الإسلامي وما يعرض لهذه المشاكل من حلول (27).

ويحدد الأستاذ المجال الحيوي لكل من المدنية الإسلامية والأوروبية، فكان مجال المدنية الإسلامية صحراويا وقبليا انتقاليا، في حين أن مجال الثانية زراعي. وعلى الرغم من انه كان للمدنية الإسلامية دور عظيم في سلسلة الحضارات العالمية فإن أوربا لم تعترف بها، وما زالت تحاول عمدا ولا شعوريا إخفاء الحقائق على الرغم من حرية الفكر التي يدعيها الأوربيون ويكفي أن هذه الحرية -كما يقول «غوستاف لوبون» تختفي لدى الأوربي عندما يمتد فكره إلى بحث الشؤون الإسلامية، فالمارد الصليبي الذي يعيش في أعماق نفسية الأوربي يلوث نظرته نحو القضايا الإسلامية ويستحق في التاريخ والحياة، ولذلك فإن الدراسات الإسلامية التي تناولها الأوروبيون منحرفة ومشوبة بما ينافي العلم من الذاتية!!

وعند اتصال الحضارة الأوربية بالعالم الإسلامي عن طريق الاستعمار في مطلع القرن الفائت لم يحمل معه إلى البلاد المستعمرة الأخلاق المسيحية بل إن ذاته كانت مغلقة وذات إشعاع داخلي فقط ولم يلفت أي شعاع للخارج فالشخصية التي اتصلت بالعالم الإسلامي هي

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٥٦