تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 2 /أكتوبر 1959 ............... ص 14

العرش المغربي والدعوة الإسلامية

للأستاذ عبد القادر حسن

إن ميلاد عرش مغربي، ودولة مغرية كانا مقرونين بتبني مؤسس العرش المغربي والدول المغربية للدعوة الإسلامية، وحمل راية الإسلام، والذود عن مبادئه، ونشر تعاليمه، ولم تقم دولة في المغرب -منذ افتح الإسلامي- إلا بقدر تحمسها لمبادئه وصيانتها لتعاليمه والذود عن حوزته وحرصها على أخلاقه وشمائله. ولم تسقط دولة كذلك من دولة إلا بقدر برودها في الذود عن مبادئه، وخذلانها لتعاليمه، وأخلاقه، وحوزته.

وكل صفحة من صفحات تاريخ المغرب الإسلامي ورجالاته تحمل مثلا ناطقا بذلك، ابتداء من مؤسس الدولة المغربية مولانا إدريس الأكبر، إلى يومنا هذا. فجميع ملوكنا العظام الذين يعتز بهم تاريخ المغرب تجد فيهم صلابة في الدين، وحرصا شديدا على نشره وشد عضده، والغيرة على حرماته، وعلى العكس تجد أن من أفل نجمه منهم لم يؤت إلا من تهاونه في أمر من أمور الدين، أو من عدم نجدته وقدرته على الدفاع عن حوزة الدين أما في الداخل أو في الخارج.

وقضية أخرى لا أظن من قبيل المصادفات كذلك، وهي أنه كلما اشتد حماس ملوكنا للدعوة الإسلامية، والذود عن حوزة الإسلام، اتسعت رقعة التراب المغربي شرقا وجنوبا وشمالا، وكلما خسا ذلك الحماس، وبردت جذوة النخوة الإسلامية طويت الرقعة، وتقلص ظل الراية المغربية، بل أكثر من ذلك تنقص البلاد من أطرافها وتنام في عقر دارها.

لم يفتح علي في علم النجوم حتى أعلم هل طالع الدولة المغربية رصد على ذلك يوم تأسيسها؟ ولكن تسلسل الأحداث التاريخية تكاد تنطق بذلك! سواء آمنا به أم لم نؤمن، وسواء كان ذلك صحيحا أم غير صحيح، فالمهم عندي هو الخروج بعبرة من أحداث تاريخنا تكون لنهضتنا الجديدة نبراسا تستنير به في طريقها الطويل، المحفوف بالمخاطر والأشواك، وبالإمكانيات الواسعة والإرهاصات المنعشة.

لا مجال للالتباس -على كل حال- فإما أننا نريد أن نكون دولة قوية محترمة بكل ما تحمل هذه الكلمات من معاني القوة والاحترام. أو لا نريد ذلك؟ ولا أظن أن مواطنا واحدا لا يريد للمغرب القوة والاحترام! وقضية أخرى لابد من الاتفاق عليها حتى تصبح من المسلمات، وهي أن أية شخصية، وأية دولة تكتسب من القوة والاحترام بقدر ما تكتسب من غايات ومبادئ سامية تبشر بها وتنافح من أجلها.

والمغرب يحكم موقعه، نقطة انفصال، أو نقطة اتصال -كما يحلو للبعض أن يسميها- بين الشرق والغرب، ومفتاح الصحراء والشعوب الإفريقية السوداء في هذا الركن من العالم. بين الشرق المسلم والصحراء وإفريقية المسلمة، أو المستعدة لفتح قلبها للإسلام، وبين دول المغرب المسيحية، المتعصبة، والموتورة، التي حاولت طيلة ثلاثة عشر قرنا القضاء على شعلة الإسلام التي للمغرب ضلع مهم في حملها إلى إفريقيا وأوروبا. حاولت ذلك بالقوة، وبالحروب الاجماعية، ثم هي في العصر الحاضر تحاول بوسائل أخرى فكرية وفلسفية، وبث مذاهب هدامة، وتشجيع الميوعة والانهيار الخلقي فينا وضرب نطاق الحصار الاقتصادي قصد إضعاف، أو استغلال إمكانياتنا، وذلك بتنظيم أسواق، لهم منافعها وعليا أوزارها، ثم هي في ذات الوقت الذي تقوم فيه بهذا الدور الإجرامي لخنق إمكانياتنا المادية وبث الشك والسخرية من قيمنا وديانتنا وأخلاقنا بكل الوسائل

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٥٠