تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التي ذكرت والتي لم تذكر، في هذا الوقت بالذات تحاول أن ترثنا في إفريقيا لا من حيث الاستغلال المادي فحسب، ولكن من حيث نشر الديانة المسيحية بين أهاليها الذين لم يعتنقوا أية ديانة بعد، بل ويحاولون حتى مع من بلغتهم دعوة الإسلام، أن ينسلخوا من ديانتهم الأولى ويلتحقوا بالركب المسيحي الزاحف.

فالبعثات المسيحية في كل قطر من أقطار افريقيا، بل في كل بلدة ومدشر، من كل جنس، ومن كل مذهب من مذهب المسيحية، والإعانات والوسائل تتدفق عليها من كل حدب وصوب، والمدارس تقام في كل بلد من بلدان أوروبا وأميركا لتخريج مبشرين أكفاء، لهم جميع المؤهلات التي تضمن لهم النجاح في مهمتهم الخطيرة. أما عن الوسائل فحدث ولا حرج، فلم تعد وسائل الوعظ والإرشاد بكافية في هذا العصر، بل تستعمل المدرسة، والنشرات، والعلاج، والإسعاف، وتوزيع الأدوية بالمجان، وكل وسائل البر والإحسان، زيادة على خفض الجناح والشفقة والرحمة التي يربى عليها الآباء المسيحيون، والتي تخدع كثيرا من البسطاء.

إذا علمنا هذا، بقي أن نعلم شيئا آخر، وهو أننا دولة صغيرة، إمكانياتنا المادية محصورة، وعدد سكاننا قليل وقليل جدا بالنسبة للشعوب الكبيرة فالقوة والاحترام اللذان ننشدهما لا يأتيانا من القوة المادية، على الأقل في الظروف المستقبلة، ولكنهما سوف يسعيان إلينا متى شمرنا على سواعدنا، وحملنا من جديد مشعل الدعوة الإسلامية، والأخلاق الإسلامية، والمبادئ الإسلامية إلى ربوع افريقيا، تتميما لرسالة أجدادنا، وقياما بواجبنا الديني نحو إخوان لهم كل الاستعداد للانسجام معنا ووضع اليد في اليد لدرء الغزو الأجنبي المادي والروحي. برهنوا على ذلك في الماضي. وما يزالون يبرهنون عليه حتى اليوم، أو قل هم أشد برهنة عليه اليوم. وأخيرا من أجل تحصين أنفسنا قبل كل شيء! فالمرء قوي بأخيه كما قيل.

وقبل أن أختم حديثي لابد لي من أن أنبه إلى لأنه لا يمكننا أن نؤدي هذه الرسالة الخطيرة إلا إذا أصلحنا من حالنا وذلك أولا وقبل كل شيء باقتلاع رواسب الاستعمار من عقولنا وقلوبنا. ونبذ كل ما بث من ريب حول مقوماتنا وأخلاقنا وديننا، وتحصين أنفسنا ضد الميوعة والاستهتار والانحلال. حتى نكون جيلا قوي الشكيمة، مؤمنا بدينه، متحمسا لأداء رسالته السماوية، التي كانت سبب سؤدد قومه في جميع عصوره الذهبية.

وبعد فهذه كلمة أوحى لي بها موضوع ذكرى عيد العرش المجيد، وأنا أستعرض شريط هذا العرش الجبار، الذي استعصى تقويضه على كافة الدول التي حاولت بكل الوسائل الشريفة والدينية جعل حد لحياته؛ فلم أجد له سندا في تحصين نفسه ضد العواصف والزوابع هذا النور الذي جاء به خير البشرية ورسول الإسلام الأكرم سيدنا محمد عليه وعلى آله أزكى الصلاة والسلام ولا شك في أن وارث هذا العرش جلالة محمد الخامس، وهو من نعرف غيرة على دينه، وتصلبا في الدفاع عن حوزته وحرماته، سيرسم الخطط، ويلهب الحماس ويعبئ الهمم حتى يقوم هذا العرش بكل التزاماته نحو هذا الدين الذي قرر ضرورة وجوده، وظل سنده الأقوى في هذا البلد الأمين، لكي يتابع حمل المشعل المنير في ربوع القارة الإفريقية المتطلعة دائما بكامل اللهفة والشوق لكل ما يصدر من المغرب من إشراق ونور.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٥١