تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التربية التي لا تتلاءم اليوم وروح العصر، وإنما أقصد به التمهيد لمقارنة المرأة الحضرية القديمة مع المرأة الحضرية في هذا العصر.

وفي سنة 1330 هـ (1912) نصبت فرنسا حمايتها التي امتحنتنا واضطمرتنا وأرهقتنا، وشدت الخناق علينا، وأتت بكل جديد إلى بلادنا، وعملت على فرنستنا تدريجيا، وفتحت المدارس الفرنسية في بلادنا فلم يقع عليها إقبال بادئ ذي بدء، لأن عقلاءنا الذين كانوا يرون بنور الله رأوا فيها الأداة القاضية على العزة والكرامة وهما الدين واللغة، وكان لهم تأثير في الجملة على الناس فلم يدخلوا أبناءهم إلى المدرسة الفرنسية أفواجا، على أن الفرنسيين أتوا في أول الأمر، بمسلمين جزائريين طيبين، ورتبوا أساتذة للغة العربية، ولما أسست المدرسة الثانوية بفاس -مدرسة مولاي ادريس- عينوا لتدريس اللغة العربية وبعض العلوم كالتاريخ والجغرافية علماء أجلة من القرويين، لكنهم ما لبثوا أن قرروا الفرنسية لغة تدرس بها كل العلوم والفنون العصرية عدى العربية والفقه والتوحيد، وجعلوا في آخر الأمر لهذه المواد قسمة ضيزى، ولما تخرج الفوج الأول من متعلمي الفرنسية عني به في الجملة فوظف أصحابه وظائف ثانوية بسيطة ومع ذلك فأجرتها كانت مهمة بالنسبة لمن لا يعرف إلا العربية ولو كان عالما. وحينئذ أخذ الناس يوفدون أبناءهم إلى المدارس على قتلها وإن كانت العربية ضعف شأنها إذ ذاك، لدرجة يصعب معها الآن تعريب الإطارات بسرعة إذ امتزجت معها الفرنسية امتزاجا كبيرا.

فنشأ عن ذلك تكوين الفرع المثقف ثقافة أجنبية من هذا الجيل ومن الجيل قبله، وهذا الفرع من الجيلين هو الذي نجده مقتعدا في الغالب القاعد في دوائر الحكومة والقضاء ودور التجارة والصناعة وهو الفرع الذي جعله تيار الثورة الراهنة التي نحياها مثلا مرموقا يقتدي به الجيل الناشئ الذي إذا استثنينا منه الذين هداهم الله وهيأ لهم أسباب الهداية، نجد العامة من الشباب التي كانت فيما مضى تتهافت على مجالس العلم والوعظ بالمساجد والزوايا فيما بين العشاءين، صارت تتهافت على الأفلام السينمائية الساقطة التي لعبت أكبر دور في محاربة الفضيلة ونشر الرذيلة.

ومضى عصر الاستعمار بقضه، ولم يمض بقضيضه الذي هو الاستعمار الفكري، وجاء عصر الاستقلال الذي أصبحنا فيه مالكين أمور أنفسنا، نستطيع أن نسير دولتنا كيف نشاء، ولكنه جاء عصر الاستقلال حتى فقدنا قيمنا المعنوية، وحتى العلماء الذين كنا نسميهم فيما مضى مصابيح الهدى لوعظهم الناس وإرشادهم إياهم، وتقواهم الله في السر والعلانية، لم يبق الناس ينظرون إليهم مثلما كان ينظر إليهم آباؤنا، لنهم -والحق يقال- هم الآخرون -إلا ما نذر- فقدوا تلك الهيبة، هيبة التقوى ولبثوا متمسكين بنفس الأسلوب الذي كان شيوخهم يخاطبون به المؤمنين المفعمة قلوبهم إيمانا، فلم يتطوروا في أسلوبهم بل بضاعة الكثيرين منهم مزجاة بالنسبة لمشايخهم في أول هذا القرن وما قبله، ثم إنهم لا يملكون تلك الروح الوثابة التي ينفذ نورها إلى الأعماق، ومما زاد في الطين بلة أنهم لا يقيمون الوزن للوصف القائم بهم الذي وصفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العلماء ورثة الأنبياء» فقد زهدوا في هذا الميراث إذ انخرط منهم من انخرط في الأحزاب ومن لم ينخرط منهم من الكبار لزم الحياد وصار يستدل بالحديث: «إذا رأيت شحا مطاعا وهوى منبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك» في الوقت الذي لم ينس فيه نصيبه من الدنيا، وأصبح التنافس يعمل فيما بينهم وأراد علماء كل ناحية أن يؤسسوا جمعية خاصة بهم، وأبوا أن ينحدروا حول برنامج داخل في دائرة اختصاصهم، منحصر في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر الأخلاق الفاضلة، بالرغم عما صاروا يشاهدونه من هذا الانحلال الخلقي، وهذا التجاهر بالكبائر وهذا التقليد الأعمى للأجانب. في كل ماله صلة بالعجر والبجر، وهذا الانسياق إلى الانهيار دون روية ولا تثبت.

وطغت الأفكار الفاسدة، وانتشرت الرذيلة، وحبب إلى الناس أكل أموال بعضهم بعصا بالباطل وارتفع الحياء وانتشر الزنى والخمر حتى قبل أن ما ورد منه من نوع (الويسكي) في هذه السنين من الخارج يربو على ما ورد منه في السنوات المقابلة لها في عهد الحماية.

وأخذت المرآة المكبوتة ترد الفعل، فلم تسفر السفور المشروع لتشارك الرجل في الأعمال على قدم المساواة وكفى، بل صارت تخرج عارية كاسية مائلة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٤٧