تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 2 /أكتوبر 1959 ................. ص 10

الفضيلة الموءودة

للأستاذ المهدي الصقلي الحيسيني

ظل المغرب منكمشا على نفسه طيلة النهضة الأوربية، في القرون الأخيرة، ولبث يعيش على هاشم ما ورثناه من القيم المعنوية التي شوهت بعضها عوائد وتقاليد تكونت خلال العصور التي ضعف فيها التفكير بسبب فشو الجهل، ولكنه كان على كل حال يعيش من الناحية الأخلاقية، إذ كان الرأي العام موحدا فيما يتعلق باستهجان ما يجب استهجانه، واستحسان ما يستحب استحسانه، وجاءت فترة استعمر فيها المغرب زهاء خمسين سنة، تطورت فيها الأخلاق والعادات تطورا محسوسا، وآل الأمر إلى أن أخذت الأخلاق تفسد عامة فسادا مبينا.

ذلك أننا، كنا نتقي الحرمات، ونتزوج مبكرين، ونحلف فلا نحنث، وإذا حنثنا كفرنا عن يميننا، ونعد فنفي، ونستدين بدون إشهاد الدين فلا ننكره، ونعصى الله فنستغفره، وتغشى العاصي منا خشية، وكنا نطيع الوالدين، وكان صغيرنا يستحي من كبيرنا، وإذا كان منا من يتهاون في صلاته، يستحي ولا يرضى أن يرمى بالتهاون فيها، وكنا إذا أردنا أن نمدح شخصا، نمدحه بتدينه، لأن تدينه يؤذن بتقواه، أي باجتنابه الكبائر من أكل حرام وكذب وزور وغيبة ونميمة إلخ، وكنا نعتبر المر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)، وكانت العامة منا تحضر لعشرات الدروس التي كانت تلقى بالمساجد والزوايا في الفقه والتوحيد والشمائل النبوية وغير ذلك مما تجب معرفته من الدين بالضرورة وذلك فيما بين العشاءين.

بيد أننا في القرون الأخيرة شددنا الخناق على المرأة، حتى حرمناها من كل حرية، وتركناها بمدننا داخل المنازل، ولا تخرج في بعض العائلات طيلة حياتها إلا ثلاث مرات، واحدة من بطن أمها للدنيا والثانية لدار بعلها والثالثة للقبر، ولقد أدركت السيدات اللواتي ما كن يخرجن لصلة الرحم إلا ليلا، وأدركت النساء اللواتي كن يخرجن بالحائك واللثام «ورجلي السراويل» «والريحية».

«ورجلين السروال» كما كانا يسميان عبارة عن كيسين من كتان أبيض عرض الواحد نحو 40 سنتيمترا وطوله 80 سنتيمترا تقريبا، تدخل المرأة كل كيس منهما في إحدى رجليها وتلبث تدريه حيال ساقها إلى أن يصير كضماد فوق جرح بليغ لتعطي للساق حجما سمجا.

«والريحية» نعال كالبلغة مستدير أفطس الشكل عريضه، أسود اللون، بحيث كانت المرأة المارة في الطريق لا تثير انتباها من حيث رشاقتها وأنوثتها، رأيتها من اللواتي يحضرن الآن في المباريات لاختيار أجمل ساق أو ملكة الجمال في هذا العصر؟.

وكانت هذه المرأة المكبوتة تتعلم في بيتها كل ما هو صالح لها في حياتها الزوجية من فقه العبادة، ونظافة البدن والبيت والطبخ والعجين والخياطة أو الطرز أو النسج أو غير ذلك، وإدارة شؤون البيت مع الطاعة العمياء للزوج ومحبته والإخلاص له، وتربية الأولاد التربية المعهودة إذ ذاك إلا أن هذه التربية كانت مشوبة بعوائد منها ما هو موحى به من قبل الجهل، ومنها ما له أصل من الدين وأفسده تدجيل الدجالين، وبعبارة أخرى، فإن المرأة الحضرية كانت أمية مثقفة إن صح هذا البيان تحبذ هذه

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٤٦