تتعهد بقوله، أو المحافظة عليه، وقد كان الرسول نفسه على بعض الأمور، مثل قسمه على المساواة في القانون بين الشريف والمشروف، بقوله: «والله سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها» ... وقد كانت الإيمان سواء كانت قسما بالله، أو التزاما يلتزم به الشخص ويرتب على مخالفته بعض أعماله، كعشق ممالكه أو طلاق زوجته، أو الصدقة بأمواله -نقول: كانت هذه الإيمان تعقد في بيعات الملوك على الشخصيات التي يخشى منها القيام على الملوك بالمخالفة، وخلع البيعة والطاعة، وفي شأنها أفتى الإمام مالك بأن طلاق المكره لا يلزم، فعوقب بالتطويف به في الأسواق وضربه فيها على مرأى ومسمع من الناس المشاهدين، فكانت محنته رضي الله عنه محنة سياسية جرها عليه قول الحق، وإخلاصه له ...
ولكون اليمين تعتبر في المعاملات شدد الرسول فيها الوعيد حتى عد اليمين الغموس الكاذبة التي تغمس صاحبها في الإثم من الكبائر، تنفيرا للمسلمين من الإقدام عليها، بغير حق وأخير بغضب الله على من يحلف بالله فاجرا ليأكل أموال الناس بالباطل، ففي الحديث المتفق عليه عن الأشعث بن قيس قال: «كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله (ص) فقال: شاهداك أو يمينه، فقلت انه إذن يحلف ولا يبالي، فقال: من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان».
وقد ذهب الجمهور إلى أن اليمين على المدعى عليه عاما في حق كل أحد سواء كان بين المدعى والمدعى عليه اختلاط، أو لا، وذهب مالك مذهبا لطيفا فيه منزع مهم لا يهمله الشارع، حيث قال مالك: لا تتوجه اليمين إلا على من بينه وبين المدعى اختلاط، لئلا يبتذل أهل السلفة أهل الفضل بتحليفهم مرارا، وقريب من مذهب مالك قول (الأصطخرى من الشافعية، أن قرائن الحال إذا شهدت بكذب المدعي لم يلتفت إلى دعواه، قاله الشوكاني، وتطبيقا لمذهب مالك: ذكر الحافظ بن قيم الجوزية أنه سمع شيخه العلامة (يعني شيخ الإسلام بن تيمية) يقول: كنا عند نائب السلطنة، وأنا إلى جانبه، فادعى بعض الحاضرين أن له قبلي وديعة، وسأل إجلاسي معه، وإحلافي، فقلت لقاضي المالكية، وكان حاضرا أتسوغ هذه الدعوى وتسمع؟ .. فقال: لا، فقلت: فما مذهبك في ذلك؟ فقال: تعزيز المدعي، أي تأديبه،، فقلت فأحكم بمذهبك، فأقيم المدعي وأخرج.
فمن الأليق أن نستعمل اليمين حيث تفيد، ومع الأسف أنها فرضت على أمناء المراسي في عهد اضطراب المغرب قبل الحماية فتأخر عن وظيفة الأمانة أصحاب الذمم العامرة الطاهرة وأقدم على أدائها أصحاب الذمم العامرة الطاهرة وأقدم على أدائها أصحاب الذمم الخربة، فنهبوا خزينة الدولة وكانت النتيجة سيئة.
ومن فوائد اليمين تخويف المدعى عليه عاقبة الحلف والكذب، فيرجع ويقر بالحق، ومن فوائدها القضاء على من ينكل عن اليمين، فإذا قلبها على المدعى، فنكل المدعى عنها فيكون نكوله تصديقا للناكل الأول، على أن اليمين لا تسقط الحق ولا تبرئ الذمة، ظاهرا أو باطنا، فلو وجد المدعى بينة بعد تحليفه للمدعى عليه: يقول الحافظ بن القيم تسمع منه، ويقضي له بها، وللمتأخرين من المالكية تفصيل فيها، وكذلك إذا ردت اليمين على المدعى فنكل عنها، ثم أقام البينة تسمع منه ويحكم له بها ..
واليمين إنما تكون بالله لأنه ورد في الحديث أن من حلف بغير الله فقد أشرك، ولهذا لا يسوغ في نظري التحليف عند أضرحة الأولياء، لما في قلوب العامة من تعظيم أصحاب القبور، حتى يكاد البعض يشرك باعتقاده فيها، وإن أقره الشيخ الرهوني أن حلف بالله لا يصاحب القبر، ونقله التودي والوزاني، وسلماه جميعا.
وإذا نظرنا إلى حالتنا الإعتقادية في الجزاء الأخروي وإلى حالتنا الاجتماعية، واعتبرنا ما يقوله علماء الاجتماع من أن التشريع الصالح للأمة هو الذي يكون مطابقا لتقاليدها، وأعرافها ومزاحها النفسي، نجد أن اعتبار اليمين في الأحكام من العناصر الأساسية التي توصل كثيرا من أصحاب الحقوق بحقوقهم، فكم من المتداعين أقروا بالحق خوفا من توجه اليمين، وكم منهم صالحوا عن اليمين على المدعى المظلوم، فحلف واستوجب حقه وكم من المدعين نكلوا بعد طلبهم باليمين التي ردها المدعى عليهم، فبرهنوا على أنهم مبطلون، وبقي الحق في اليد الشرعية التي كانت تتصرف فيه، وهذه الوقائع تبين بجلاء أن اليمين من العناصر الصالحة الراجحة، فلا ينبغي إهمالها في التشريع على الإطلاق، وخصوصا في تشريع أمة استمر الحكم فيها باليمين ما يقارب أربعة عشر قرنا من الزمان، فانطبعت نفوسها عليه واعتبرت ذلك من الشرائع المقدسة التي يجب الإذعان لها، والتسليم بها تصديقا لشريعة الحق واستكمالا للإيمان بها، كما قال الله تعالى: «فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما».