يدخل لجده الفقيه ابن علي، ويعرض عليه ما يلقى من المسائل، فدخل عليه فرحا، وعرض عليه هذه المسألة، فاشتد نكير الفقيه رضي الله عنه، وجعل يعتب على نفسه تقديمه وقال له: (إنما قال النبي البينة على المدعى، واليمين على من أنكر) واستدعى شاهدين وأشهد بتأخيره عن النيابة عنه في الحكم) قال الشيخ أحمد بابا السوداني الذي نقل عنه هذه القضية: وهذا من ورعه، ووقوفه مع ظاهر الشرع، وعلى هذا يجب أن يكون العمل وهو مذهب مالك، وظاهر مذهب الشافعي تجويز مثل هذا فإنه يرى أن القصد إنما هو الوصول إلى حقيقة الأمر، بأي شيء وصل إليه حصل المقصد، ولأجل هذا يجوز قضاء الحكام بعلمهم، والحق خلافه، لحديث: 'فإنما أقضي له على نحو ما أسمع). وفي نفس هذا التعليق على قضية أبي على رأي آخر لأصحاب مالك حيث أنهم مالوا إلى تقرير المتهم بما يراه الحاكم من الوسائل، وقد نقل ابن القيم عن أبي الوفاء بن عقيل ما نصه: (ومال أصحاب مالك رحمه الله إلى التوصل بالإقرار بما يراه الحاكم، وذلك مستندا إلى قوله تعالى: (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت) وعلى هذا ما أيده الشيخ السوداني من كون الحق هو في الوقوف مع حرفية النص الظاهر، لا يسلم له، بل إجراء التحقيق مع المتهمين بغاية الدقة هو المنهج الصحيح في الشرع الإسلامي، يدل على ذلك نقض أسير المومنين سيدنا علي كرم الله وجهه لحكم صدر من قاضيه شريح على أساس الشكل الظاهر، وذلك بإجرائه تحقيقا ظهر به الحق، فقد نقل أصبغ بن نباتة أن شابا شكا إلى علي رضي الله عنه نفرا فقال: إن هؤلاء خرجوا مع أبي في سفر فعادوا ولم يعد، فسألتهم عنه فقالوا مات، فسألتهم عن ماله فقالوا ما ترك شيئا، وكان معه مال كثير، وترافعنا إلى شريح فاستحلفهم وخلى سبيلهم، فدعا علي بالشرطة فوكل بكل رجل رجلين، وأوصاهم أن لا يمكنوا بعضهم أن يدنو من بعض ولا يمكنوا أحدا بكلمهم ودعا كاتبه ودعا احدهم فقال أخبرني عن أبى هذا الفتى، أي بوم خرج معكم، وفي أي منزل نزلتم، وبأي علة مات، وكيف أصيب بماله، وسأله عمن غسله، وكفنه، ومن تولى الصلاة عليه وأين دفن، ونحو ذلك، والكاتب يكتب، فكبر علي، وكبر الحاضرون والمتهمون لا علم لهم، إلا أنهم ظنوا أن صاحبهم قد أقر عليهم، ثم دعا آخر بعد أن غيب الأول عن مجلسه فسأله كما سأل صاحبه كذلك، حتى عرف ما عند الجميع فوجد أن كل واحد منهم يخبر بضد ما أخبر به صاحبه ثم أمر برد الأول فقال يا عدو الله قد عرفت عنادك وكذبك بما سمعت من أصحابك، وما ينجيك من العقوبة إلا الصدق، ثم أمر به إلى السجن، وكبر وكبر معه الحاضرون فلما أبصر القوم الحال لم يشكوا أن صاحبهم قد أقر عليهم، فدعا آخر منهم فهدده فقال يا أمير المؤمنين والله لقد كنت كارها لما صنعوا، ثم دعا الجميع فأقروا بالقصة، واستدعى الذي في السجن، وقيل له قد أقر أصحابك، ولا ينجيك سوى الصدق فأقر بكل ما أقر به القوم فأرغمهم المال، وأفاد منهم بالقتيل أي قتلهم قصاص من أجل جناية القتل التي ارتكبوها انتهى ... نقله الحافظ ابن قيم في كتابه النفيس (الطرق الحكمية) وبهذا يتبين أن إجراءات التحقيق في القضايا المهمة هي من صميم مناهج تطبيق الحكم الإسلامي، وإن ما يدعيه بعض الفقهاء من الوقوف مع حرفية النصوص هو فهم فيه قصور كبير، وتصنيع لكثير من الحقوق كما كانت ستضيع قضية القتل التي حكم فيها القاضي شريح على نزاهته، وجلال قدره، ولو لم يكن فوقه الإمام علي الذي كشف الحق، وأبان أن ولاة الأمور قد يعينون المدعي بما لديهم من الوسائل حتى تتجلى بينته التي تشهد بحقه، ولو كان إقرارا من خصمه وقع التوصل إليه عند قوة التهمة بالوسائل المناسبة.
أما قول النبي واليمين على من أنكر فإن هذا الموضوع شائك ... إذ يكاد قانون التشريع الإسلامي، ينفرد باستخدام اليمين بين القوانين الأوربية لمقاصد قد لا تحصل بدونها وإذا كنا بصدد الكلام على بينة المدعي، قد أوضحنا أن الصواب إعانة المدعى بالكشف الذي يتولاه ولاة الأمور حتى تستبين بينته وتتضح حقيقة دعواه فيحكم له بحقه، كما تفعل إدارة الأمن في خصوص الجنايات، حيث أن ذلك من صميم تطبيق مناهج الشرع الإسلامي، ينبغي أن تعتبرها القوانين الأخرى، أو بعبارة أوضح ينبغي أن يعتبرها القانون المغربي الذي يطبق في المحاكم المغربية فيما يتعلق بالمعاملات لما لها من الفوائد التي تنكر ...
ذلك أن نشاهد رؤساء الجمهوريات يحلفون يمين الإخلاص للدساتير الأساسية لأممهم، وكذلك الوزراء عند توليتهم يحلفون هذا اليمين، سواء في الشعوب الملكية أو الجمهورية وكذلك التراجمة حتى أنهم يسمون التراجم المحلفين، وكذلك رجال الأمن العام، والشهود، وإن كان هؤلاء يقسمون بشرفهم، فإن القسم بالله أعظم، وأولى، في ردع النفوس عن مخالفة ما