ومقال الأستاذ الكتاني في جملته، يمتاز بنظرات حصيفة وروح قومية عربية تقدمية حرة، وإن يكن يعوزه فيما نرى فضل من الخطة والتنظيم.
دور العرب في المستقبل للأستاذ محمد الغربي: يبين الكاتب في هذا المجال المقال الطيب وحدة العرب أولا في شتى ديارهم، ويساءل بعد ذلك عن الوسائل التي يستطيع بها العرب التغلب على مظاهر التخلف عندهم والإفادة من إمكانياتهم إفادة تمكنهم من العطاء للحضارة والإنسانية.
ويبدأ إجابته على هذا السؤال محاولا أن يعيد إلى العرب ثقتهم بأنفسهم، مبينا أولا أن التفاوت الوراثي بين الشعوب غير موجود، وأن التفاوت يرجع إلى الدربة والبيئة، مذكرا بعد ذلك بما كان للعرب من شأن في الحضارة وبما قدموه من إبداع يجعلهم دوما جديرين بمثله أو أحسن منه. وما دام الأمر كذلك فلا بد إذن من بيان العوامل التي أدت إلى تخلف العرب عن ركب الحضارة. وأهم هذه العوامل في نظره اختلاط العرب بغيرهم من الشعوب وبخلاط المغول والتتار خاصة والهجوم الصليبي، والاستعمار التركي والاستعمار الأوروبي.
ومثل هذه العوامل أمور دخيلة غدت في طريق الزوال، وفي وسع العرب أن يعاودوا رسالتهم الإنسانية، ولهم من إمكانياتهم ما يؤهلهم لمثل هذا.
1) فهناك أولا مكانتهم الاقتصادية الضخمة من بترول وكهرباء وفحم ومعادن.
2) وهنالك ثانيا قوتهم المكانية في العالم وموقع بلادهم الاستراتيجي.
3) وهنالك ثالثا قوتهم الفكرية وغناهم بالقوى الروحية والأخلاقية والإنسانية.
4) وثمة بعد ذلك قوة أخرى، وهي التوفر البشري ووفرة عدد السكان.
5) وهنالك خامسا القوة النضالية التي يملكها الشعب العربي، تلك القوة التي ظهرت في جميع عصور تاريخهم.
إن هذه الإمكانيات كلها تزيد في ثقة العرب بأنفسهم، وتجعلهم يدركون أن الطريقة الوحيدة لبناء مستقبلهم هي طريق الوحدة، ولاسيما في عصر لم يعد فيه من شأن للدول المكروسكوبية وأصبح الشأن كل الشأن للدول الكبرى.
والكلمة حقا كلمة واعية، تبحث واقع الفكرة القومية العربية وإمكانيتها بحثا علميا منظما، تبين في جلاء ووضوح ما يمكن أن يتفتح عنه العالم العربي من طاقات إذا هو لم شعته، وضم قواه الشتيتة.
وما نزال، والحق يقال، في حاجة إلى مزيد من هذه المباحث التي ترينا النتائج المادية العملية التي ترتجى من الأمة العربية عند وحدتها، ولعل الكثير من أبناء العرب يجهلون الحقائق الجميلة الناصعة التي يوردها الأستاذ الغربي في كلمته هذه.
وإن كان لابد من نقد، فهو وقفة قصيرة عندما يقوله من عدم قيام تفاوت وراثي طبيعي بين الشعوب ومن رد هذا التفاوت إلى الدربة والبيئة، فمثل هذا القول لا يخلو من غلو، ونحن وإن كنا لا نؤمن بالأساس العرقي للقوميات، ولا نؤمن بوجود عروق مختارة وأخرى منحطة، لا نستطيع أن نهمل العامل البشري في خلق الحضارات، ولا نستطيع أن نرد كل شيء إلى البيئة وحدها، ومثل هذا التساوي المطلق بين الشعوب في استعداداتهم الطبيعية أمر غير واقع. ولئن كان من الصحيح أن العراق غير موجود، فمن الصحيح في مقابل ذلك وجود نمط معين من تمازج الدماء في شعب معين، ذلك التمازج الذي يجعل من الشعب العربي مثلا شيئا مباينا للشعب الإيطالي أو الألماني أو غيرهما من الشعوب.
اللغات الأجنبية، مكانتها في البرامج التعليمية للأستاذ محمد عبد الواحد بناني: يدافع كاتب هذه الكلمة عن فكرة إلغاء اللغة الأجنبية من التعليم الابتدائي مستشهدا بما تم في سوريا منذ أمد، وبالحجج التي قدمها الأستاذ الكبير ساطع الحصري في «حولية الثقافة العربية».
والحق أن هذه المسألة مسألة كانت وما تزال موضع صراع بين المربين والباحثين، وما نزال نلقي من جرائها الشيء الكثير.
ولقد أقرت المناهج الأخيرة للجمهورية العربية المتحدة فكرة إلغاء اللغة الأجنبية، من التعليم الابتدائي وقدر لنا أن نكون أحد الأعضاء الذين أسهموا في وضع أسس هذه المناهج منذ ثلاثة أعوام، وقدر لنا بالتالي أن نشهد الجدل العنيف الذي دار حول موضوع تعليم اللغة الأجنبية، وقد كنا وما نزال من أنصار إلغاء اللغة الأجنبية في التعليم الابتدائي، وما نود هنا أن نضيف الشيء الكثير إلى ما قدمه الأستاذ ساطع الحصري وما نقله عنه الأستاذ البناني.