تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ينبغي أن يعتنق المذهب الواقعي، وحجته في ذلك أن المجتمع العربي أولا مادة غنية للأدب الواقعي، فهو عامر بالصور الحية التي يجدر بالأقلام أن تنفضها.

وحجته أيضا أن أي أدب، إذا ما استعرضنا تاريخ الآداب، لا يكتب له الخلود إلا عندما يعرف أن يكون نابضا بصور الواقع حافلا بحرارة الحياة، فها هو ذا «ترجيف» الأديب الروسي يرقي هام الأدب حين يعرف أن يصور استغلال الفلاح وإرهاقه، وها هو ذا زميله «جوجو» زعيم الواقعية يكتب مآثر خالدة لما تنطوي عليه من دقة في تصوير البيئة، وها هو ذا «إميل زولا» يأبى إلا أن يكتب للشعب بكامله ويرفض أن يصور حياة طبقة واحدة، طبقة المترفين ..

أما الأدب العربي، فيما يرى الأستاذ زياد فما يزال فقيرا في الأدب الواقعي، وما اتجه منه هذه الوجهة استطاع أن يخلد ويحتل الصدارة، من مثل بعض كتب طه حسين وتوفيق الحكيم ومعظم قصص نجيب محفوظ.

ويدعو الكاتب إلى العناية بهذا الأدب الواقعي ويرى أن البيئة المغربية خاصة غنية بمواد الأدب الواقعي، وإن مئات من القصص الواقعية يتحدث بها الفلاحون في البادية المغربية وتنتظر أقلام الأدباء.

ومما لا شك فيه أن واقع الحياة الاجتماعية في الشعب المغربي يتحدى أقلام الكتاب ويقدم لهم مادة خصبة عامرة، غير أن التعبير عن هذا الواقع لا يلزم ضرورة أن يكون عن طريق الأسلوب الواقعي في تبيين الأدب الذي ينتسب إلى الواقع والأدب الذي لا ينتسب إليه، لاسيما بعد أن تعددت ألوان الواقع وتكاثرت أشكاله، ولعل بعض الأدب الواقعي من واقعيته في فقر، ولعل بعض الأدب الحر من خصبه في قلب الواقع، ومع ذلك لن ندعي أن في وسعنا الخوض في مثل هذا الموضوع في مثل هذه العجالة، ومن الصحيح دوما، كما أراد الكاتب، أن واقع أمتنا هو أقوى غذاء للكاتب المبدع، منه ينطلق، أما كيف ينطلق، فمبحث عسير على التحديد.

مشاكل القومية في المغرب العربي للأستاذ إدريس الكتاني: مقال الأستاذ إدريس مرور رفيق ودقيق بطائفة من المشكلات التي تعرض كلما تعرض فكرة القومية العربية.

إن التعريف الذي يريد الأستاذ إدريس الكتاني أن يقدمه للقومية العربية تعريف واقعي، هو أنها قوة عالمية تتكون من تسعين مليونا من العرب تمتد في رقعة كبيرة من الأرض وتتوافر فيها ثروات ضخمة، ويود منذ البداية ألا يقبل بفكرة العروبة كفكرة مجردة وأن يؤيد أساسها الروحي بأساس مادي هو طاقتها وقوتها.

وينتقل بعد ذلك إلى إثارة بعض المشكلات تتصل بالقومية العربية في المغرب، فيبين كيف يقبل شعب المغرب العربي على فكرة القومية إقبال سائر العرب في كل مكان ويشير إلى مؤتمر «وحدة المغرب العربي» الذي انعقد بطنجة في أبريل من عام 1958. غير أنه لا ينسى بعض المشكلات التي تواجه هذه الفكرة هناك، وعلى رأس هذه المشكلات مشكلة التعريب، تعريب لغة الدولة في الإدارة والتعليم، بل تعريب التفكير الذي لا ينفصل عن تعريب التعبير، كما لا ينفصل الفكر عن اللغة.

ثم يأخذ الكاتب على التوجيه الذي تسير عليه وحدة المغرب العربي بأنه في بعض الأحيان توجيه يجعل من المغرب وحدة إقليمية مستقلة منفصلة عن الكيان العربي العام، ويوجه مثل هذا النقد خاصة إلى ما جاء في دستور تونس الأخير الذي يجعل الجمهورية التونسية جزءا من المغرب الكبير، دون أن تشفع كلمة المغرب فيه بكلمة «العربي» رغم أن هذه اللفظة لفظة سارت بها الألسن.

ويشير بهذه المناسبة إلى سبق سوريا لسائر الدول العربية في هذا المجال، مجال الوعي والإيمان بالوحدة العربية، وإلى ما كان لدستورها عام 1950 من سبق على سائر الدساتير العربية حين نص على أن الشعب السوري جزء من الأمة العربية.

ومن أهم ما ورد في هذا المقال قيام الدعوة الواضحة إلى الخروج بالشعور القومي من الغموض الذي يكتنفه، وإلى تحديد الأولوية التي تعطى ضمن السياسة القومية: فإما أن تعطي الأولوية لتدعيم القومية العربية ويتم بناء الفكرة القومية على أساس فكرة الأمة العربية، وإما أن تعطي الأولوية لتدعيم الرابطة الإسلامية، أما التردد بل التقية، فيعنيان البقاء دون سياسة قومية على الإطلاق، ومثل هذا التردد يفيد منه الاستعمار على أوسع نطاق.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧١٨