تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من دمشق إلى قرطبة للدكتور حسين مؤنس:

لقد سعدت بهذا البحث من الصديق الدكتور حسين مؤنس، وهو مبحث يحوي خلاصة غنية من عشرة طويلة بين الكاتب وبين تاريخ الأندلس وأدب الأندلس، وقد استطاع بحجة المؤرخ وبراعة الأديب أن يعقد بين دمشق وقرطبة، مفصلا ما قيل كرة بعد كرة عن أوجه الشبه بين الأندلس والشام، وما انعقد من مقارنة بين قرطبة ودمشق، واشبيليا وحمص وباجة وقنسرين. على أنه في هذه المقارنة إلى أبعد من هذا، فيبين الوشائج العميقة التي تربط بين تاريخ الأندلس وتاريخ بني أمية في دمشق، ويوضح كيف كان أمراء بني أمية في الأندلس وعلى رأسهم عبد الرحمن الناصر، الحماة الحقيقيين للعرين، العاملين على الوحدة، حتى إذا ذهب أمرهم ذهب أمر الوحدة وتفرقت الأندلس أيدي سبأ. بل يمضي في هذا المجال إلى أبعد من هذا، فيبين كيف كانت قصور أمراء بني أمية بالأندلس شديدة الشبه بقصور أسلافهم الشرقيين في بساطتها وبعدها عن التكلف والأبهة، وكيف كانت أبنية قرطبة في مثل قصد أبنية دمشق وجلالها، وكيف ظلت هذه المدينة حاملة لراية العروبة والإسلام، عنها صدرت الغزوات ومنها قامت الفتوحات في جزر البليار وجنوبي فرنسا وغربي إيطاليا شأنها في ذلك شأن دمشق في الشرق.

والكلمة في جملتها إنصاف صادق لقرطبة المنسية وشأنها في تاريخ الأندلس، ولشأن دولة بني أمية التي تمثل دور العروبة الخالصة في التاريخ العربي، كما نعتها بذلك الجاحظ وكثيرون غيره من المتقدمين والمتأخرين. وقد صاغ الدكتور حسين مؤنس هذه الحقائق في أسلوب المؤرخ المحقق والأديب الذواق، كما عودنا في أكثر ما يكتب.

تأثير الشعر العربي في الأندلس في الآداب الغربية للأستاذ محمد الفاسي: وهذا مبحث آخر عن الأندلس يقدمه الصديق الكبير الأستاذ محمد الفاسي، وفيه يعاود الحديث عن تلك المسألة القديمة، مسألة أدب «التروبادور» وعلاقته بالأدب العربي وتأثره به ولقد نفضت أقلام الكتاب هذا المبحث مرارا، ومع ذلك ظل على الخط من الغموض، بعد أن احتد عليه القوم، فمؤيد ومناوئ، ولهذا يأتي مبحث الأستاذ الفاسي بمثابة وضع صحيح حاسم للمسألة في نصابها، إذ يدحض حجج الفريق الذي يتنكر لتأثير الأدب العربي في أدب «التروبادور» ويفندها واحدة واحدة، مبينا كيف يتشابه الأديان في الموضوع وفي الشكل: فالغرام في أدب «التروبادور» عذري، والموضوعات التي يطرقها هؤلاء الواجدون «التروبادور» بينها وبين ما ألفه الشعراء العرب مشابه قوية، والحديث عن الواشي سائر في كليهما، وشكل القصيدة وخرجتها ( Tornada) قائمان كما هما في أزجال أهل الأندلس.

ويدعم هذا كله ببيان واضح للطريقة التي تم بها هذا التأثر من قبل الواجدين بالشعراء العرب في الأندلس، رغم جهلهم باللغة العربية، وذلك إذ يذكر بانتشار الثقافة العربية في الأندلس انتشارا واسعا أدى إلى ظهور طبقة من المستعربين ( Mozarabes) تحيى حياة عربية في كل شيء، كانت هي الواسطة بين الشعراء العرب وبين الواجدين وغيرهم.

ويختم الأستاذ الكبير حديثه متمنيا أن تزداد العناية بدراسة الأدب العربي في الأدب الغربي، بعد أن كانت تقتصر دراسة الباحثين في الحضارة العربية على بيان أثر هذه الحضارة في مجال العلوم النظرية والعقلية، دون كبير إشارة إلى أثرها في مجال الأدب.

ويمتاز المقال في جملته بالقصد والدقة، فيقول في صفحات قليلة أشياء كثيرة، ويصل إلى الهدف بروح البحث العلمي البعيد عن الإسراف.

جوانب عن شخصية يوسف بن تاشفين للأستاذ عبد القادر الصحراوي: لقد أصاب شخصية يوسف بن تاشفين على يد المؤرخين ما أصابها، ولأمر ما كان ذلك؛ وقد استطاع الأستاذ الصحراوي في مقال قيم دقيق، أن يبين أولا كيف كانت قصة يوسف بن تاشفين مع ملوك الطوائف جملة، وعلى رأسهم المعتمد ابن عباد، المسؤولية الأولى عن هذه الصورة الشوهاء التي كانت لهذا الفاتح الذي توفي سنة خمسمائة للهجرة. كما توصل، عن طريق النصوص القاطعة التي جمعها أن يظهر صورة هذا البطل على حقيقتها، مبرزا خلقه الرفيع وتواضعه وكثرة حيائه، مدللا على تورعه عن سفك الدماء وجنوحه إلى العفو والصفح، مبينا خاصة كيف ائتمر المعتمد بن عباد مع (الفونس السادس) فكان ذلك دافعا ليوسف إلى حربه العتيدة معه. ومن أبرز ما يوضحه الأستاذ الصحراوي في صفات يوسف عزوفه عن ترف الأمراء، ذلك الترف الذي جعلهم في واد والشعب في واد آخر، ودفعهم إلى الكيد للأندلس ووحدتها طلبا للإمارة وانتجاعا للهو

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧١٦