وإذا أضفنا إلى ذلك أن هذا الشعور قد ازداد رسوخا ومتانة بعد ما صهره جو الكفاح، وبعدما عززته روافد اليقظة الوطنية الشاملة التي تجتاح العالم العربي، أدركنا أن الاعتماد على النداءات الصارمة وعلى الجهاز الحربي والاقتصادي الضخم ليس في مقدوره أن يأتي على هذه الانتفاضة أو يخمد أنفاسها ولكن هل يعني ذلك أن الثورة تستطيع بمفردها أن تتباهى بكفاءتها لتمثيل الرأي العام الإسلامي كله؟
إن الحقيقة هنا أيضا على جانب من التعقيد، فالجمهرة الكبرى من المسلمين يقرون بالفضل للثورة على اعتبار أنها هي التي جعلت من الحتمي حل المشاكل السياسية والاجتماعية، تلك التي كانت فرنسا تجتهد في تأجيلها أو إغفالها بالمرة، كما أنهم يقدرون أيضا أن هذه الثورة هي واقع الأمر مقاومة وطنية أتاحت للجزائر أن تنصهر في وحدة حقيقية حيث تبخرت النزاعات الطائفية والعنصرية والقبلية التي كنا نعتمدها في التدليل على انعدام الأمة الجزائرية في الماضي.
وبالإضافة إلى ذلك فإن كافة السكان المسلمين لم يكن لهم إلا أن يتأثروا بكثير من الوقائع التي لا يستطيع الإغضاء عنها أي مراقب نزيه. ومن ذلك:
1) استمرار وجود القوات العسكرية التابعة لجبهة التحرير، هذه القوات التي - وإن لم توجد متوفرة على إمكانيات واسعة- فإنها - بالرغم عن الخسائر الفادحة أحيانا - لا تزال تحتفظ بالرقم التقريبي الذي يرقى دائما بأفرادها إلى الخمسين ألفا.
2) العطف المقنع أو السافر ذلك الذي تنعم به الثورة لدى كثير من الدول الأجنبية، ويوجد من بين هذه الدول من يندرج في عداد أصدقاء فرنسا، هذا العطف الذي لا يتجلى فقط في إرسال الصحفيين والمعقبين، ولكنه يبدو أيضا في المساعدة المباشرة أو غير المباشرة مما لا تستطيع السلطات الفرنسة الحد من نطاقه إلا بصورة جزئية ومحدودة.
3) احتضان جبهة التحرير قسم من النخبة الإسلامية التي تمثل «التفكير الملتزم»
4) الأثر الذي يخلقه باستمرار الوضع الحالي في كثير من الأسر الإسلامية، هذه الأسر التي يوجد لكل منها عضو أو أعضاء يحاربون في صفوف جيش التحرير.
فهل في إمكان الهزيمة العسكرية - مهما افترضنا جوازها - أن تستأصل في مثل هذه الأحوال- بذور الثورة في النفوس؟
فرانسوا فالانتان: رئيس لجنة الدفاع الوطني والقوات المسلحة في الجمعية الوطنية الفرنسية:
الحقيقة الخطيرة التي تؤرق منا الجفون وتقض المضاجع هي أن حرب الجزائر - إن كانت لا تحطم بلادنا- فإنها توشك أن تدمر الطاقة المادية التي تتوفر عليها جيوشنا، ذلك أننا نزج بهذه الجيوش في مهاوي وضع يستنفذ جميع إمكانياتها، هذا علاوة على ما نفرضه عليها من استهلاك جميع الاعتمادات المخصصة لها، الأمر الذي من شأنه أن يفضي بدون ريب إلى توقيف ما يرجى لها من تطور وما يؤمل لها من تجديد في التجهيز.